في إشكاليّة تعريف الإرهاب

المولدي قـسّـومي

أستاذ جامعي وباحث مختص في علم الاجتماع

يمكن أن يؤدّي تناول مفهوم الإرهاب بشكل مجرّد إلى عدم القدرة على تعريفه بما يكفي من الوضوح، وذلك إمّا بالسّقوط في الجمع بين وقائع وحالات غير مطابقة للفعل الإرهابي، أو بالوقوع في عدم التّمييز بين الاستعمالات المختلفة والمسمّيات المتعدّدة لنفس الظّاهرة. فعلى غرار بعض العبارات الأخرى، فإنّ عبارة إرهاب تتّسم بتضخّم في الإستعمال، وهو أمر قصدي وموجّه[1]. فقد ثبت في كلّ الحالات أنّ هناك رهانات سياسيّة تقف وراء قرار إعتبار فعل ما إرهابا دون غيره. لذلك لا يمكن أن نقف على تعريف وحيد ونهائي للإرهاب رغم أهميّة ذلك وضرورته، وحتى إن أمكن الاستجابة إلى تلك الضّرورة فهي استجابة مؤقّتة[2]، وهو ما يقتضي تحديد سمات الفعل الإرهابي وآليّاته وأشكاله وأساليبه بشكل نهائي، ولو من أجل تعريف مؤقّت. 

إنّ الإرهاب هو عمل عنيف يعرّض الأرواح والممتلكات للخطر أو يهدّد بتعريضها لذلك، وقد يكون موجّها إلى أفراد أو مجموعات أو مجتمع بكامله عن طريق استهداف مؤسّساته أو مصالح الدّولة وأجهزتها. ويقوم به أفراد مستقلّون أو جماعات مرتبطة بتنظيمات علنيّة أو سريّة أو تنظيمات مدعومة من طرف دولة ما. ومن أهمّ السّمات العامّة للإرهاب أنّه يسعى إلى تحقيق أهداف سياسيّة. حينئذ فالإرهاب هو كلّ عمل إجرامي يؤتى عن طريق الإستخدام العمدي والمنظّم لوسائل من شأنها التّرهيب أو إثارة الرّعب أو الفزع الشديد بقصد تحقيق بعض الأهداف، وهو منهج لتطويع الجماهير وشلّ حركتها بواسطة الإكراه السّيكولوجي والتّرهيب الإجرامي لغرض التّحكّم والسّيطرة المطلقة. 

الإرهاب عامّة هو ظاهرة من الظواهر التي أفرزتها الاضطرابات السّياسيّة[3] في العصر الحديث وقد برز بشكل أوضح من ذي قبل منذ أكثر من قرنين. وقد ارتبط في اللّسان الفرنسي بفترة الحكومة الثّوريّة حين تجسّد فكرا وممارسة سنة 1793 من قبل “نظام الرّعب أو نظام التّرهيب السّياسي الذي كان يقوده روبسبيار، “واللجنة العامّة للإنقاذ”[4]. وقد أخذ لفظ الإرهاب لاحقا معناه الأكثر تداولا خلال سنوات 1870[5]. وبعد ذلك أصبحت العبارة تعني “عمليّات عنف تنفّذها مجموعات سياسيّة غير قانونيّة وذلك بهدف خلق مناخ سياسي غير مستقر وغير آمن، أو بهدف إضعاف نظام قائم وإرباك منظومة الحكم فيه”[6]. فمن هذه الزّاوية، يستهدف الإرهاب أحيانا الأفراد وأحيانا أخرى الممتلكات الماديّة، وفي حالات أخرى يمكن أن يستهدف معدّات ووسائل لوجستيكيّة تابعة للسّلطة أو أشياء ذات قيمة تاريخيّة وثقافيّة. كما قد يُستعمل الإرهاب أحيانا من طرف المغلوبين ضدّ الغالبين. 

ينبثق الإرهاب من داخل المثلّث السّلوكي المتمثّل في العدوانيّة والعنف والتطرّف، لأنّها ثلاثة عناصر مرتبطة بالتعطّل الوظيفي للعلاقات والرّوابط الاجتماعيّة السّويّة والمنسجمة مع المنطق الدّاخلي لقانون للنّظام المجتمعي، وهذا التعطّل يفرض في نهاية الأمر اللّجوء إلى ممارسة الإرهاب[7] على المستوى المحلّي وعلى النّطاق الدّاخلي للمجتمع. وإذا بلغ هذا التّعطّل الوظيفي مستوى العلاقات السّياسيّة  فيمكن أن يؤدّي إلى ممارسة نوع آخر من الإرهاب هو الإرهاب الدّولي، وهو الذي ظهر في النّصف الثاني من القرن العشرين، حيث “اتّسم بوجود دول تقدّم دعمها العسكري والمادي لمجموعات إرهابيّة تستهدف من خلالها مصالح بلدان تعتبرها ضمنيّا عدوّة”[8]. وهو يختلف عن إرهاب الدّولة الذي يمكن أن ينحصر في ما تمارسه السّلطة القائمة عبر أجهزتها القمعيّة من عمليّات رعب وترهيب في حقّ شعبها أو في حقّ المعارضين. 

وباعتبار أنّ الإرهاب الدّولي وإرهاب الدّولة من أبرز وجوه هذا الفعل العدواني وأشكاله، فهو بدوره محلّ خلاف جوهري، وهو خلاف حول جانبه السّياسي الذي يحتمل تفاسير عدّة. فكثيرا ما استعملته دول الاستعمار والاحتلال وأنظمة القهر والعنصريّة في وصف المقاومين لسياساتها، كما استعملته أنظمة الحكم الدكتاتوريّة لتجريم خصومها والنيل من سمعتهم. “ولم تجتهد الموسوعات والمعاجم القانونيّة الدّوليّة أيضا في تعريف الإرهاب الدّولي وإن تحدّثت عن بعض ملامحه وحصرتها في الإستخدام غير القانوني للقوّة أو العنف، أو التّهديد بهما، من قبل منظّمة دوليّة ضدّ الأفراد والمؤسّسات والممتلكات التّابعة لبلدان أخرى مع نيّة إكراه الحكومات أو المجتمعات المستهدفة على تحقيق أغراض هي غالبا سياسيّة”[9]

لابدّ من توفّر عنصرين لكي يكون الإرهاب دوليّا: أوّلا، ينبغي أن يهدف العمل الإرهابي إلى خلق اضطرابات في مستوى العلاقات الدّوليّة. وثانيا، ينبغي ألاّ يكون هناك علاقة تطابق انتمائي بين جنسيّة الجاني والبلاد التي يتمّ فيها ارتكاب الجريمة وجنسيّة الضّحيّة، حيث يكون عامل الانتماء والارتباط الجغرافي والوطني غير متوفّر بين الأطراف الثّلاثة، أي أنّه بمجرّد غياب عنصر الانتماء المشترك بين هذه العناصر فإنّ الإرهاب يصبح دوليّا[10]. وبعبارة أخرى فلكي يعتبر الإرهاب دوليّا ينبغي أن يهمّ عنصرا من عناصره أو أكثر في آن واحد دولتين على الأقل. وقد يكون العمل الإرهابي الدّولي صادرا عن أفراد مثلما هو الحال عندما يرتكب شخص أجنبي عملا إرهابيّا فوق إقليم الدّولة. كما أنّ العمل الإرهابي الدّولي قد يكون صادرا عن الدّولة نفسها وهو ما ينبغي تمييزه بوضوح عن إرهاب الأفراد والجماعات، ويطلق عليه إرهاب الدّولة[11]

ولئن بقيت منظّمة الأمم المتّحدة عاجزة عن وضع تعريف موحّد للإرهاب الدّولي[12]، فقد عمدت على صعيد آخر إلى إدانة بعض الأنشطة وتصنيفها على أنّها إرهابيّة. كما توصّلت مجموعة القرارات التي أصدرتها المنظّمة بجمعيّتها العامّة ومنظّماتها ولجانها المتخصّصة[13] إلى تحديد مفهوم الارهاب الدّولي على أنّه كلّ “الأعمال التي تعرّض للخطر أرواحا بشريّة بريئة أو تودي بها أو تهدّد الحرّيات الأساسيّة أو تنتهك كرامة الإنسان”، وتصف الإرهاب بأنّه فعل إجرامي، وتشير بوضوح إلى الإرهاب الرّسمي الذي تمارسه الدّول، حينما حدّدت حالات معيّنة يولد في إطارها، أو بسببها، الإرهاب الدّولي. وهذه الحالات هي: الاستعمار والعنصريّة والحالات التي يوجد فيها احتلال أجنبي. وهي حالات لا تنشئها أو تسبّب نشوءها، أو توفّر الظّروف والعوامل لنشوئها إلاّ الدّول، لهذا فإنّها تندرج ضمن الإرهاب الرّسمي أو إرهاب الدّولة.

إذا ما تجاوزنا قضيّة التّعريف انطلاقا من معنى الإرهاب وتناولنا الظّاهرة من خلال ما يميّزها من خصائص ندرك أنّ العمليّة الإرهابيّة تنوّع في طريقة اختيار ضحاياها وهي تتدرّج في اختيارهم. فهي عادة ما تختار ضحيّتها الأساسيّة لكي تضمن الجدوى في الوصول إلى هدفها الأساسي، وإذا لم يتسنّ لها اختيار الهدف الدّقيق فهي تختار ضحاياها من بين أولئك الذين يعبّرون من قريب أو من بعيد عن الهدف المقصود من العمليّة الإرهابية. وإذا تعذّر عليها ذلك فإنّها تستهدف ضحايا يتمّ اختيارهم اعتباطيّا. ومن خلال هذا الاختيار الاعتباطي تهدف العمليّة الارهابيّة إلى إثارة الخوف ونشره بين كلّ النّاس دون تمييز. وهي تهدف إلى زرع الرّعب وإضعاف أيّ نوع من الثّقة ونزع الطّمأنينة من وعي النّاس، أي ضرب التّوازن النّفسي الذي يضمنه النّسيج الأوّلي للحياة الاجتماعيّة اليوميّة.

ولكن الإرهاب يسعى إلى إحياء نزعة الخوف والرّيبة والتّوجّس التي يبديها الجميع تجاه الجميع، وهي النّزعة التي تكوّن حسب توماس هوبز الحالة غير الاجتماعيّة وغير القابلة للعيش إطلاقا، وهي حالة الطّبيعة التي يمكن أن تسود فيها مظاهر القتل في أبسط اللّقاءات وفي مجال التّعايش الاجتماعي الأكثر بساطة[14]. وفي هذا السّياق إمّا أن نعتبر الإرهاب حادثا تاريخيّا لم يكن من المفروض أن يحدث حسب مقتضيات النّظام المجتمعي، وبذلك ينبغي أن يكون أساسا من أسس القطيعة وأداة من أدوات التّهديد الوظيفي والبنيوي للمجتمع ذاته، وإمّا أن نعتبره أحد مكوّنات العلاقات الاجتماعيّة، وبالتّالي هي مسألة متأصّلة في المجتمع أو عبارة عن جزء من العناصر التّكوينيّة والتّأسيسيّة للعلاقات البشريّة داخل نفس المجتمع أو بين المجتمعات، ولكن في جانبها الحادّ والعدواني. وبالتّالي فالإرهاب ليس واقعا مفروضا بصفة قبْـليّة بل نحن ننزلق إليه أو نتفادى الوقوع فيه لأنّه يمكن أن يكون مسألة مفترضة ومبطّنة في كلّ المجتمعات، كما يمكن أن يظهر متى توفّرت شروط ظهوره من منطلق أنّ المجتمعات مهيّأة بطبعها للدّخول في منظومة التّعامل عن طريق العنف بقدر ما هي قادرة على أن تجنح للسّلم. وبالتّالي فإنّ ما يمكن أن نسميّه إرهابا ليس هو مجرّد المرور الأعمى وغير المدروس من حالة إلى حالة أخرى. بل على الأرجح هو المرور إليه بشكل مدروس ومبني على قرار سياسي[15]


[1]– Mellon, Christian, « Terrorisme, condamner, expliquer, résister », in Etudes, novembre 2005, p. 488.

[2]– إنّ تاريخ الارهاب لا يعود إلى زمن قريب. ولكن حين نتناوله في حدود القرن الأخير نجد أنّه كانت قد مارسته تنظيمات يساريّة ثوريّة وتنظيمات يمينيّة ذات توجّهات قوميّة وتنظيمات دينيّة مسيّسة أو ما يمكن أن تنسحب عليها تسمية التّديّن السّياسي (مثل الاسلام السّياسي). كما استعملته بعض الدّول في إيصال رسائلها السّياسيّة لخصومها في نطاق الصّراعات الدّوليّة من خلال تجنيد بعض الأعوان وتكليفهم بالقيام ببعض الأعمال الإرهابيّة، ولا يزال الإرهاب يُمارس في إطار بعض النّزاعات الإقليمية. ولكن قراءتنا لتاريخ الارهاب الطّويل تبقى دائما غير كافية أمام تفجيرات 11 سبتمير 2001 وكذلك تفجيرات مدريد ولندن باعتبار عدد الضّحايا، وتغيير مواطن الرّهانات الدّوليّة مثلما هو الأمر بالنّسبة إلى تنظيم القاعدة أو تنظيم داعش (الدّولة الإسلاميّة في العراق والشّام)، وصعوبة توقّع الأهداف السّياسيّة المقصودة، هذا كلّه يربك التّحليل الذي كان بالأمس مقبولا وسهل الاستيعاب، خاصّة وأنّ هذه التّنظيمات قد تحوّلت إلى مستوى متطوّر جدّا من النّشاط الذي تتجاوز به الحدود الإقليميّة الضيّقة. حينئذ نجدنا بصدد مواجهة عولمة الارهاب وتغيير مواقع عمليّاته استبدالا لتقاليد تمركز النّشاط في منطقة جغرافّة معيّنة.

[3]– Coquard, Olivier, «Au nom de la terreur», in Historia (spécial), n°16, mars – avril 2014, p.50.

[4]– Besnier, Jean-Michel, «De la terreur jacobine au terrorisme», in Esprit n° 10-11/ octobre – novembre 1984, p. 157. 

[5]– L’histoire n°259, novembre 2001, Dossier«Juifs, chrétiens, musulmans; terroristes au nom du dieu», p.77. 

[6]– Coquard, Olivier, «Au nom de la terreur», op. cit. p.50.

[7]– Ibid, p. 159. 

[8]– L’histoire n°259, novembre 2001, Dossier: «Juifs, chrétiens, musulmans; terroristes au nom du dieu», op. cit. pp. 75-95. 

[9]– الحسيني، محمّد تاج الدّين، “مساهمة في فهم ظاهرة الإرهاب الدّولي”، مجلّة الوحدة، العدد 67، أفريل/ نيسان 1990، ص. 26.

[10]– نفس المرجع، ص. 24.

[11]– Mongin, Olivier, «Terrorisme d’Etat, Etat terroriste», op. cit. p.169. 

[12]– إن الخلاف الدّائر ضمن اللّجنة الخصوصيّة بشأن تعريف الإرهاب الدّولي صلب منظّمة الأمم المتّحدة يتمحور حول خمسة عناصر أساسيّة:

  1. تحديد ما إذا كان الفعل الإرهابي يتعلّق بفاعلين خصوصيّين أم عموميّين، وبعبارة أخرى هل يتعلّق الإرهاب بالأفراد أو جماعة من الأفراد أم يمكن أن يصدر كذلك عن الدّول والحكومات
  2. تحديد ماهي الأعمال المحرّمة
  3. تحديد عنصر التّدويل
  4. تحديد الباعث والنيّة
  5. تحديد الضّحايا

[13]– وافقت لجنة القانون الدّولي سنة 1954 على مشروع تقنين الجرائم، وأصدرت الجمعيّة العامّة بتاريخ 24 أكتوبر 1970 الإعلان المتعلّق بمبادئ القانون الدّولي فيما يخصّ العلاقات الدّوليّة والتّعاون بين الدّول. كما وافقت بتاريخ 14 ديسمبر 1973 على الاتّفاقيّة الخاصّة بمنع الجرائم التي ترتكب ضدّ الأشخاص المتمتّعين بحماية دوليّة بمن في ذلك الدّبلوماسيّين. ووافقت الجمعيّة العامّة بتاريخ 17 ديسمبر 1979 على الاتّفاقيّة الدّوليّة لمحاربة إحتجاز الرّهائن.

[14]– Valadier, Paul, « Le terrorisme, défi à la démocratie », in Etudes, mai 1984, p. 582.

[15]– Mongin, Olivier, «Comment devient-on terroriste?», in, Esprit n°10-11/ octobre- novembre 1984, p.119.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق