الدورات التدريبيــة للإرهابــــيين بتــونس : جريمة دولة

تحقيق استقصائي من اعداد: 

عبد الناصر العويني

 محام وباحث

لطيفة حسني

 صحفية وباحثة

الفرع الأول: الصراع على القرار الأمني 
في مسألة انعقاد الدورات التدريبية

ما حقيقة الدورات التدريبية لعناصر من فجر ليبيا في تونس؟ من تسّتر عليهم؟ ومن المستفيد مادّيًا وسياسيًا من هذه الدورات؟ ما مدى توّرط شخصيات أمنيّة وسياسية رفيعة المستوى في هذه الجريمة؟ كيف لوزارة الداخلية ان تتعامل من جديد مع أمنين معزولين؟

سوف نحاول في هذا التقرير إماطة اللّثام على مكوّنات هذه الجريمة وحيثياتها التي جدّت في صائفة سنة 2013، خاصّة مع هشاشة الوضع الأمني في بلادنا، سنة 2013 شهدت اغتيالين لزعيمين سياسيين بارزين، شكري بلعيد في 06 فيفري 2013، ومحمد البراهمي في 25جويلية 2013، وذبح جنودنا في جبل الشعانبي بولاية القصرين إثر عملية إرهابية نفذّتها مجموعات إرهابية في شهر جويلية 2013. 

مرّت بلادنا في تلك الفترة بأوقات صعبة تصدرّت فيها المسألة الأمنية المكانة الأهّم.

 في تلك الفترة الحرجة، توّجه مواطن تونسي إلى عدد من النزل في مدينة الحمامات، ليحجز فيها عدد من الغرف وقاعات اجتماعات. لم يكن الأمر ليكون مريبا لولا اتصال هذا الشخص، بإطارات أمنية تونسية متقاعدة، ازدادت الريبة حين تبيّن أنّ هذا الشخص ينوي تنظيم دورات تكوينية لمجموعات أمنيّة ليبيّة تتولاها إطارات أمنيّة تونسية معزولة أو أحيلت على التقاعد. 

أولا: اضطراب التصريحات داخل القيادة الأمنية

يقول المدير العام للأمن الوطني بوزارة الداخلية آنذاك وحيد الطوجاني أنّ مصالحه، ومصالح أخرى، منها المصالح المختصة، تفاجأت بالمعلومات المتواترة، والتي تفيد عزم شخص تونسي، تنظيم دورة تكوينية لفائدة مجموعة أمنية ليبية، دون أن يكون هناك ترخيص رسمي منه، أو من الجهات الرسمية الأخرى، ممّا دفعه إلى استدعاء ممثل الأمن بالسفارة الليبية، عن طريق الإدارة العامة للمصالح المختصة، وفعلا استقبله بحضور المدير العام للمصالح المختصة، وسأله عمّا يعتزم القيام به الشخص التونسي، من إعداد لدورة تكوينية لفائدة مجموعة أمنية ليبية راجعة لدولته، وعدم التنسيق مع الجهات التونسية. 

اتسّم اللّقاء بالحدة، نظرا لوجود تجاوز للأعراف المعمول بها بين جهازين رسميين، فالأمر يتطلّب إعلاما مسبقا، وتأمينا لظروف التكوين، أمنيا، وعلميا، خاصّة وأنّ هناك شهادات سوف تسلّم للمتكوّنين، بالإضافة إلى ضرورة تأمين تواجد مجموعة أجنبية كبيرة بعديد النزل، في منظومة خاصّة، الشيء الذي لم يتم التنسيق والإعداد له. هدّد وحيد الطوجاني برفض هذه الدورة وبمنع دخول الليبيين المراد تكوينهم إلى تونس ورفض نزول طائرتهم، في مطار النفيضة.

إثر ذلك، توّلى وحيد الطوجاني إعلام، وزير الداخلية لطفي بن جدو، بكل المعطيات التي بلغته، في الأثناء، وقد علمت المصالح الفنية بوزارة الداخلية بتونس، أنّ ممثل الأمن بالسفارة الليبية اتصل بوزير داخليته، ليعلمه أنّ وحيد الطوجاني يرفض هذه الدورات دون تنسيق مع مصالحه ويهدد برفض نزول الطائرة، وقد أجابه وزير الداخلية الليبّي بتجاوزه وعدم الإعتداد بأقواله.

انطلقت الدورات التدريبية وظّل وحيد الطوجاني يتابع الموضوع خارجيا، ثم وأثناء انعقاد الدورة التكوينية، توّلى التنسيق مع المدير العام للتكوين سمير الطرهوني، بخصوص الشروع في الإجراءات التنظيمية مستقبلا. أمّا الجانب المالي فلم يكن له علما به. 

والجدير بالذكر أنّ وحيد الطوجاني، قد عارض تنظيم هذه الدورات مع وزير الداخلية لطفي بن جدو، حين كانا ينتظران لقاء رئيس الجمهورية، في إحدى قاعات الإستقبال بقصر قرطاج، صحبة وزير الداخلية اللّيبي، وقد ردّ عليه هذا الأخير بحدّة وغضب: "آش مدخلك إنتي.. وإنت ضد العمليّة هذه.." فآثر وحيد الطوجاني الصمت في حضور وزيره لطفي بن جدو الذي حاول تهدئة زميله اللّيبي مشيرا إلى أنّهم على وشك لقاء رئيس الجمهورية. 

لم يفهم عاطف العمراني، مدير عام الإدارة العامّة للمصالح المختصة، تفاجئ رئيسه، المدير العام للأمن الوطني، وحيد الطوجاني بالمعلومات حول الدورة، ذلك أنّه رفع له تقارير منذ أواخر صائفة سنة 2013، تفيد أنّ مواطن تونسي يدعى "بن عبد الله" له مكتب دراسات بجهة البحيرة، وشخص ليبي الجنسيّة يدعى "لسود"، ويقدّم نفسه على أنّه مستشار لدى وزير الداخلية اللّيبي آنذاك، يستعدان لإستقبال مجموعة من اللّيبيين لإجراء دورة تكوينية لفائدة منتسبي وزارة الداخلية اللّيبية، وكانا يتصلان بالنزل بجهة الحمامات، لحجز إقامات وقاعات لإلقاء المحاضرات. وقد سبق وأن رفع أيضا تقارير بخصوص المكوّنين التونسيين المتقاعدين وفحوى المحاضرات التي درّست، هذا كل ما كان بإمكانه القيام به في حدود صلاحيات خطّته، ليس له أن يبدي رأيا، قد يعرّضه للمتاعب. إلا أنّه وقع التطرّق للموضوع، خلال جلسات مجلس الأمن القومي، ولا يتذّكر إن كانت وصلته تعليمات، بإعداد بطاقة اتصال لرفعها لرئاسة الحكومة، كما يستبعد منع طائرة تقل على متنها مجموعة من الإطارات ليبية الجنسيّة، متوّجهة إلى مطار النفيضة من النزول.

أمّا عن علي العريض، رئيس الحكومة في تلك الفترة، فإنّه لا يتذكر إن كان موضوع الدورات التكوينية، قد أثير أمامه. إذ اتسّمت فترة رئاسته للحكومة بالحراك الاجتماعي والأمني حسب قوله، اغتيال نائب المجلس التأسيسي محمد البراهمي، وتعرّض البلاد إلى عديد الأحداث الإرهابية، وتصنيف تنظيم أنصار الشريعة كمنظمة إرهابية، وهشاشة الوضع الأمني بصفة عامّة، ومحاولة استرجاع الأنفاس، خاصّة على المستوى الحدودي مع ليبيا، لما يشهده البلد من اضطرابات ووضع غير مستقر. 

تنّصل علي العريض من المسؤولية

صرّح علي العريض بأنّه لا علم له بقيام شركة خاصّة بدورات تكوينية لمجموعات أمنية، ليس له علم ولكنّه لا يجزم بصفة قطعية!!! هو لا يذكر البتة، فقد طال به العهد، والأحداث كثيرة، ولكنّه يتصوّر أنّه لو كان على إطلاع بهذا الموضوع فإنه كان سيثير عدّة نقاط بخصوص هوية الشركة وهدفها وهوية القائم عليها ودراسة الإنعكاسات الأمنية على المستوى الوطني لهذه العملية مع وزير الداخلية لطفي بن جدو .

ثانيا: دخول الرئاسة على الخط، عند اضطراب القيادة السياسية

أمّا عن مسألة التعاون مع وزارة الداخلية اللّيبية، فإنّ الأمر طرح منذ بداية سنة 2012، حين كان وزير داخلية، وجمعته لقاءات مع نظرائه اللّيبيين، لدراسة سبل التعاون الفني، وتبادل الخبرات، والتكوين، والتدريب العسكري، وبعد اتفاق رسمي بين الطرفين اللّيبي والتونسي، آثار الجانب اللّيبي الإتجاه إلى الأردن ولم ير الإتفاق النور. استغرب علي العريض هو الآخر تصريحات مدير عام الأمن الرئاسي توفيق القاسمي، بخصوص منع طائرة قادمة من ليبيا متّجهة إلى مطار النفيضة، بها عدد من الأمنيين اللّيبيين منعها من النزول، فهنالك قواعد أساسية في التعامل مع الطيران المدني المحلّق في السماء فوحده رئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة يمكنه منع نزول الطائرة إذا كانت تشكّل خطرا على البلاد. 

كما أكّد علي العريض، أنّه لا علم له بزيارة مسؤولين ليبيين بخصوص هذه الدورات خاصّة الصديق عبد الكريم، وإن كان استقبله رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي، رفقة لطفي بن جدو، فهو يجهل ذلك.

لطفي بن جدّو يكذّب علي العريض

كان لطفي بن جدو، وزير الداخلية في حكومة علي العريض، على علم إذ أحاطته المصالح الراجعة له بالنظر، كالإدارة العامّة للأمن الوطني، والإدارة العامّة للمصالح المختصة، والإدارة العامّة للأمن العمومي، بوجود شركة خاصّة تقوم بدورة تكوينية، لفائدة منتسبي وزارة الداخلية اللّيبية، بإحدى نزل جهة الحمامات، وبتوّلي بعض الأمنيين التونسيين المتقاعدين والمعزولين، الإشراف على هذا التكوين. وقد صرّح أنه رفض هو، والمديرين العامين للإدارات المذكورة، قيام شركة خاصّة بإسداء مثل هذه الخدمات، دون إذن خاص، نظرا للصبغة الرسمية والسيادية لهذه الدورات، ناهيك وأن هذه الشركة، على صلة بحكومة طرابلس. 

وقد شخّص وزير الداخلية بحكومة طرابلس الصديق عبد الكريم، موقفه معتبرا أنّ تكوين أفراد ليبية الجنسية ينتمون إلى وزارة الداخلية، لا يتطلب كل تلك الإحتياطات، لكّنه غيّر رأيه، بعد التشاور مع المديرين العامين للأمن، خاصّة  منهم المدير العام للأمن الوطني ومدير المصالح المختصة، واتخذ موقفا مناهضا لاضطلاع شركة خاصّة بإجراء تكوين لسلك نظامي، فتواجد المجموعة في نزل يشكّل خطرا عليهم، وتهديدا يجعلهم مستهدفين من أطراف إرهابيّة محليّة أو ليبيّة، ثم أنّه كانت هناك تحفظات على أشخاص المكوّنين، فهم إطارات أمنية سبق عزلها، أو إحالتها على التقاعد، لذلك يجب أن تمّر مثل هذه الدورات عن طريق القنوات الرسمية.

أكّد لطفي بن جدو، أنّه قد تمّت إحاطة رئيس الحكومة، بكل التحفظات على الموضوع، ضمن بطاقة إعلام وتحقق من عدم ممانعته، أو ممانعة رئاسة الجمهورية، خاصّة وأنه يتذّكر حضور وزير الداخلية اللّيبي الصديق عبد الكريم، مرفوقا بوفد رسمي، فاستقبله كما تقتضيه الأعراف والبروتوكول، وبحضور المدير العام للأمن الوطني وحيد الطوجاني، وانتقلوا جميعا للقاء رئيس الجمهورية في قصر قرطاج، أين دارت في إحدى قاعاته، وفي انتظار لقاء الرئيس، نقاشات اتّسمت بالحدّة، بين الوزير اللّيبي والمدير العام للأمن الوطني، الذي عبّر عن امتعاضه من طريقة تعامل الجهة الرسمية اللّيبية، مع شركة خاصّة في مجال دقيق وحساس، فانفعل الوزير اللّيبي، وأعرب عن غضبه قائلا إنّ المدير العام للأمن الوطني لا يرغب في التعاون مع الجهات الليبية.

عندها تدّخل لطفي بن جدو لتهدئة نظيره اللّيبي مبيّنا له أن ما جاء في كلام وحيد الطوجاني هو من باب النصيحة. ليتم استقبال الوفد من قبل رئيس الجمهورية ولم يقع التطرق للموضوع أثناء اللّقاء. 

في حين أن المدير العام للأمن العمومي مصطفى بن عمر، لم يكن على علم بالموضوع، إذ كان قد أعفي من مهامه كمدير عام للأمن العمومي، وقد توّلى مكانه عبد الستار السالمي، الذي وإبّان مباشرته لمهامه في الخطة المذكورة، أثير موضوع توّلي شركة خاصّة مقرّها بالبحيرة، الإعداد لإجراء دورات تكوينية لفائدة مجموعة من وزارة الداخلية اللّيبية، بأحد النزل بالحمامات، ولم يقبل عبد الستار السالمي بذلك، وبالطريقة التي تم الإعداد بها لأنّها لم  تتضمن المعلومات الأمنية الكافية بخصوص الشركة، وكذلك المستفيدين من هذا النشاط. 

تداول عبد الستار السالمي مع المديرين العامّين، خاصّة وحيد الطوجاني وعاطف العمراني في هذا الموضوع، الذي تابعته إدارته، بوصفها جهة أمنية، ترفع إليها التقارير، وهي بدورها ترفعها إلى المدير العام للأمن الوطني، دون رأي تقريري، بل تكتفي بإبداء مقترحات وملحوظات، بخصوص وجاهة النشاط من عدمه. هذه الأقوال والملاحظات كرّرها أيضا زهير الصديق مدير الإدارة المركزية للعمليات التي تُعنى بالتنسيق بين مختلف الوحدات الأمنية، باستقبال تقاريرها، ورفعها إلى الجهات المختصة، وقد أنكر بدوره أقوال توفيق القاسمي بخصوص منع طائرة المتكوّنين اللّيبيين من النزول.

منع طائرة المتكوّنين اللّيبيين من النزول

من جهته، ذكر كارم قميزة، مدير إدارة إقليم ولاية نابل في تلك الفترة، أنّه وردت إليه مراسلة من الإدارة المركزية للعمليات بوزارة الداخلية بتاريخ 7 نوفمبر 2013 تعلّقت بطلب شركة خاصّة للتكوين، وهي الشركة الدولية الشاملة للتدريب والتأهيل، للقيام بدورات تكوينية حول تعزيز الكفاءات والمهارات القيادية لأعضاء من الشرطة اللّيبية، وقد توّلى إثرها القيام بتحرّيات، أفضت الى أنّ المكوّنين التونسيين في المجال الأمني، هم من الإطارات الأمنية المعزولة، أو المتقاعدة، من شرطة وحرس بعدد 15 مكوّنا، وأستاذ جامعي هو سمير حمدي، كما أفضت التحرّيات إلى أن صاحب الشركة ليبي الجنسيّة، ويدعى فوزي الأسود، وأنّ المستفيدين من الدورة، هم من المنتسبين لوزارة الداخلية اللّيبية، وعددهم حوالي 300 تقريبا كدفعة أولى، وكان العزم أن يكون انطلاق الدورة من10 إلى 25 نوفمبر 2013، بنزل "الروسليور"، و"المرادي "و"الرويال".

و قد أضاف بأنّه طلب منه وحيد الطوجاني، منع انعقاد الدورة، خاصّة حين علم أنّ المدرّبين، هم من الأمنيين المعزولين، فتوّلى التنسيق لذلك مع رئيس منطقة الحمامات الجنوبية، ومدير إقليم قرطاج، عادل عاشور، لأن مقّر الشركة بالبحيرة يتبع مرجعه الترابي، لكن الدورات التدريبية تمّت رغم ذلك، بعد التراجع عن قرار منعها، وهو ما نتعرّض له في الفرع الثاني.

الفرع الثاني: تفاصيل وحيثيات الدورات التكوينية

 تقرر في الفترة الزمنية الإنتقالية، بين حكومة حزب حركة النهضة الثانية برئاسة علي العريض، وحكومة مهدي جمعة، أي في أواخر سنة 2013 وأوائل سنة 2014، تنظيم خمسة دورات تدريبية، وتكوينية أمنية، لعناصر وضباط أمن ليبيين، يبلغ عددهم الفا وخمسمائة تقريبا، وذلك دون إعلام أو ترخيص من السلطة الرسمية المختصة، وقد تبنّت عديد الأطراف هذا المشروع، وهي أساسا شركة  YOUMA، للتدريب وهي شركة خاصّة لصاحبها نورالدين بن عباس وألفة خليل العارم، وهي مديرة شركة مختصة في التكوين والاستشارة، ومراد بن رمضان رئيس مدير عام بشركة، وسمير حمدي أستاذ جامعي ويسري الدالي إطار أمني معزول بعد الثورة وذلك بالشراكة مع الشركة اللّيبية الدولية الشاملة للتدريب والتأهيل، وهي شركة ليبية خاصّة يمثّلها اللّيبي فوزي الأسود، لينطلقوا في ربط الصلات وتوفير الإمكانيات والمقرات لتنفيذه. 

وقد تمّ تقسيم المشروع إلى خمسة دورات تكوينية، امتدّت الأولى من 10/11/2013 إلى 26/11/2013 وشارك فيها 263 متكوّنا، والثانية من 26/11|2013 إلى 12/12/2013 وشارك فيها 265 متكوّنا، لتنعقد الدورة الثالثة بين الفترة الممتدة من 12|12|2013 إلى 28/12/2013 وضمّت 450 متكوّنا، والدورة الرابعة من 28/12/2103 إلى 13/01/2014 وشارك فيها 432 متكوّنا. أمّا الدورة الخامسة فقد التأمت من 14/01/2014 إلى غاية 05/02/2014 وضمّت 179 مشاركا. 

 ويشمل موضوع التكوين في هذه الدورات مواد التواصل والقيادة والتصّرف في الضغط النفسي والعلاقة مع المواطن.

كيف سارت أمور هذه الدورات؟ ما هي هوية المشاركين فيها من مكوّنين ومتكوّنين؟

أولا: دور المدنيين في تنظيم الدورات التكوينية

المقصود بالمدنيين (civils) هم الأشخاص من غير المتحملين لمسؤولية رسمية سياسية كانت أو أمنية، من أصحاب الشركات التجارية والأساتذة الجامعيين والذين برز دورهم حسب تصريحاتهم المضمنة بالوثيقة/الملف كأصحاب الفكرة ومهندسي المبادرة بتنظيم هذه الدورات. فمنطلق المشروع كان بين نورالدين بن عباس صاحب شركة YOUMA للتدريب، وفوزي الأسود صاحب شركة المجموعة اللّيبية للتقنية الصناعية ثم يتواتر حضور الشخصيات بحسب تطوّر مراحل المشروع، والهدف المعلن طبعا هو تحقيق الأرباح والفوز بصفقة التنظيم، مع التأكيد أنّه لم يقع أي تنسيق مع السلط المختصة ولا إسترخاصها في الأمر رغم حساسية الموضوع ودقّة وغموض الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا المجاورة.

  1. وساطة بعض رجال الأعمال أصحاب الشركات في تبييض المشروع 

يتأكد من الوهلة الأولى أنّ انخراط بعض رجال الأعمال وتزاحمهم للفوز بصفقة التنظيم أو المشاركة في ذلك كان هدفه تحقيق بعض الأرباح الطارئة وتحصيل نصيب من السيولة المالية المتدفقة بشكل غير نظامي ودون رقابة وخارج المسالك الرسمية على الداخل التونسي بعد سقوط نظام القذافي وانهيار الدولة، وذلك بخلق سوق خاصّة "un marché ad hoc" بمناسبة رغبة المتزود اللّيبي في شراء جزء من الخبرة الأمنية التونسية لفائدة عناصر يدعى أنّهم أمنيون تابعون لوزارة الداخلية اللّيبية. لكن ورغم وجود اتفاقيات ثنائية وإقليمية ذات علاقة بالتعاون الأمني سارية بين البلدين، فإنّ عقد وتنظيم الندوات كانا باتفاق بين رجال أعمال وشركات خاصّة وبتمويل غير رسمي وغير معلوم المصدر. وحتى التحاق وزير الداخلية في حكومة علي زيدان باليوم الختامي للندوة الثانية كان بعد تلويح القيادة الأمنية التونسية بإيقاف أشغال الدورة الأولى وإعلام الأطراف المنظمة بالتوقف عن مواصلة المشروع. وتبيّن الوثيقة في هذا الصدد أن رجال الأعمال وأصحاب الشركات المساهمين في المشروع كان لهم حظوة مكنّتهم من سهولة الوصول إلى أعلى مراكز القرار في الدولة والتأثير بإلغاء القرار الأمني القاضي بإيقاف الدورات.

وتستعرض الوثيقة من خلال تظافر التصريحات تحكم أصحاب الشركات في المشروع قرارا وتمويلا وتنظيما وتحصينا، فإلى جانب اللّيبي فوزي محمد حسن لسود (صاحب شركة المجموعة الليبية للتقنية الصناعية وعراب المشروع) والذي أنشأ بالمناسبة شركة سمّاها " الدولية الشاملة للتدريب والتأهيل" ليشرف بواسطتها وبإسناد من صديقه وشريكه مراد بن رمضان مباشرة على سير الندوات يبرز من الجانب الاخر الأسماء التالية:

  • شفيق الجراية رجل الأعمال المعروف بعلاقاته المتشعبة والغامضة مع عديد الأطراف اللّيبية والذي كان متابعا للموضوع وقد وجدت معلومات عن المشروع والمساهمين فيه بالحاسوب الخاص بسكرتيرته كوثر الدعاسي.
  • رفيق معلى صاحب شركة "التقدم كوم" و"التقدم للتكوين والتأهيل" والذي تربطه علاقات مباشرة بعديد الأمنيين المعزولين ممن اقترحهم كمكوّنين وتوّلى تصميم بطاقاتهم وتسجيل سيرهم الذاتية، كما قام باصطحاب إطارين أمنيين معزولين إلى ليبيا للتفاوض حول بعض تفاصيل المشروع
  • نورالدين عباس صاحب شركة YOUMA للتدريب وهو صاحب فكرة المشروع وهو من توّلى تسويقها للجانب اللّيبي، كما قام بلقاء وزير الداخلية لطفي بن جدو آنذاك لإقناعه بجدوى المشروع وضرورة الرجوع في قرار منع تواصله
  • ألفة خليل العارم مديرة شركة Eyes Coach (وقيادية لاحقا في حزب نداء تونس) والتي تكفلت بالإشراف على سير الندوات ومراقبتها من الناحية الفنية، كما توّلت الاتصال بمستشار رئيس الجمهورية عزيز كريشان لدعم تواصل الندوات وعدم منعها
  • محمد دمق صاحب شركة dell carnegie تمت استشارته بخصوص اقتراح مكوّنين
  • محمد المنذر القرجي مدير شركة over seas وهي وكالة أسفار تكفلّت بالجانب اللوجيستي وتوفير النزل والإقامات.

2. مساهمة بعض المختصين في التكوين

كانت الوجهة الأولى بالنسبة لاختيار المكوّنين هي من ذوي الإختصاص الجامعي من الأساتذة ومن بعض الخبراء في التنمية البشرية لتأثيث الندوات وقد تمّ تشكيل لجنة للتدقيق في السيّر الذاتية للشخصيات المقترحة غير أنّ المترشحين لم يتوفروا على الشروط التي يبحث عنها المتزوّد اللّيبي فتمّ العدول عن توظيفهم. والشخصية الرئيسية في هذا السياق هو الأستاذ الجامعي سمير حمدي، وهو مدرس جامعي ومكوّن مختص في التنمية البشرية وأستاذ محاضر بمدرسة الأمن الوطني بصلامبو، وقد  توّلى إعداد برنامج تكوين في المهارات الحياتية تضمن مواد التواصل والقيادة والتصرّف في الضغط النفسي والعلاقة مع المواطن.

 وبعد أن وافقت الجهة اللّيبية على برنامج الندوات المقترح، انعقد اجتماع بحضور سمير حمدي بمكتب نورالدين بن عباس مع كل من مراد بن رمضان وألفة خليل العارم وممثل عن شركة dell carnegie واللّيبي فوزي لسود وتمّ تكوين لجنة اختبار المدربين من أساتذة جامعيين وخبراء مستقلين والذين لم تقتنع بهم اللّجنة وتقرر التخلي عن انتدابهم، ما عدا المدعو صلاح الدين بن فضل وهو أستاذ جامعي في علم النفس الذي يبدو أنّه تمّ توظيفه دون المرور باللجنة (وهو بالمناسبة غير مسموع بملف القضية). إثر ذلك وبالتنسيق مع الإطار الأمني المعزول يسري الدالي تحصّل سمير حمدي على قائمة من الإطارات الأمنية من المتقاعدين والمعزولين بعد الثورة وقد حظيت بموافقة الطرف اللّيبي.

ثانيا: محتوى الندوات وظروف تسييرها

تكمن أهمية هذا الجزء في التساؤلات التي تطرح نفسها حول بعض التفاصيل التي لم يوليها المحقق الأهمية اللازمة والتي لا نجد إجابات عنها بالملف. 

ماهي المضامين التفصيلية للمواد موضوع التكوين؟

 ماذا نقل المكوّنون للمتكوّنين هل خبرتهم الميدانية والعملياتية أم مجرد معارف نظرية؟ 

هل تمّ ربط علاقات مباشرة بين الطرف اللّيبي (شركة خاصة صاحبها مقيم بتونس) والإطارات الأمنية المعزولة والمتقاعدة؟ 

هل قامت الجهات الأمنية المواكبة لسير مشروع التكوين بتوثيق فعاليات الندوات وتحرير تقارير أمنية بشأنها للإطلاع عليها من القيادة الأمنية؟

  1. مضامين الدورات التكوينية وأهدافها

يكاد يجمع كل المستجوبين بأنّهم توّلوا تدريس المشاركين اللّيبيين مواد فنيات التواصل والتصرف في الضغط النفسي والقيادة دون غيرها. وحسب الأرقام المصرّح بها فقد تمّ تكوين 1589 شخصا من قبل 21 ضابطا وعونا، دونا عن المدنيين،  ممن سبق لهم تحمل مسؤوليات عليا بمختلف الإدارات الأمنية وذلك على امتداد خمسة دورات تدوم كل واحدة مدة 15 يوما في المواد المذكورة دون تفاصيل ومع شبه تأكيد على اقتصار العملية على الجانب النظري .

ويلتبس الأمر في خصوص هذا الفرع على القارئ خاصّة إذا ما تمعن في الاختصاص الفنّي لبعض المكونين ومسارهم المهني الذي لا يخوّل لهم تقديم دروس نظرية في المواد المذكورة، إذ يتفق المستجوبون على أنّهم درّسوا، جميعهم، نفس المواد ومنهم من يدعي أنّه درّسها كلّها، وقد يكون من باب الصدفة أن تجد ضابط حرس وطني إختصاص مدرّعات وضابط من إدارة السجون ومدير سابق للمخابرات درّسوا نفس المواضيع. ولعل الحالة الأغرب في هذا السياق تصريح أحد المكوّنين ممن قضّى 35 عاما بالمصالح المختصة بالعمل الإستعلامي إلى حين تقاعده ودون أن يرتقي في سلم الرتب والمسؤوليات بأنه توّلى تدريس مادة التصرّف في الضغط النفسي والتواصل والقيادة. ويتمسك المستجوبون عند مجابهتهم بمخالفتهم للقانون المنظّم للأسلاك الأمنية من المباشرين والمتقاعدين بانّه "لم يتم إفشاء السرّ المهني بأي صورة كانت وأنّ دورات تكوين ضباط أمن ليبيين لم يكن ذو طابع أمني واقتصر تكوينهم في مجال التصرّف في الضغوطات والقيادة والتواصل.." 

أصناف وانتماء المكوّنين الأمنيين ونظام تأجيرهم2.

لقد أحصينا انخراط 21 إطارا وعنصرا أمنيا من جملة المستجوبين في الوثيقة في التدريس الفعلي سواء في بداية الندوات أو أثناء سيرها، وهم كالتالي: خمسة عشر (15) من المتقاعدين أو المعزولين وستة (06) عناصر مباشرين بالإدارة العامة للتكوين. أما بالنسبة للأمنيين المتقاعدين والمعزولين فينقسمون إلى سبعة (07) ضباط من الحرس الوطني وسبعة (07) إطارات من الأمن العمومي وضابط واحد (01) من السجون والإصلاح.

 وبالنسبة لخلاص أجور المكوّنين تمّ على مستويين: مستوى المتقاعدين والمعزولين والذين تقاضوا أجرة بحساب 500 دينارا لليوم الواحد بمعدل بين ثلاث وأربع أيام في الأسبوع. ومستوى المكوّنين التابعين للإدارة العامة للتكوين والذين تقاضى كل فرد منهم 1400 دينارا حسب تصريح أحدهم (و2100 دينارا حسب الوثائق المضافة من طرف الإدارة) عن تسعة أيام تكوين معدل مساهمتهم في الندوات.

وتطرح مسألة التأجير عدّة إشكالات أوّلها هو الخلاص نقدا ومباشرة، ثانيهما استحالة تقدير الميزانية الحقيقية للأجور من جهة ولكامل الدورة من جهة ثانية، تغييب أيّ رقابة للمصالح المالية والجبائية للدولة لتتحول العملية إلى ما يشبه التجارة الموازية غير المرّخص فيها وغير الخاضعة للنظام الضريبي. وثالث الإشكالات هو درجة التواطؤ وإنعدام الشعور بالمسؤولية لدى نخبة مهمة من الإطارات والقيادات الأمنية التي سبق وأن كانت مسؤولة على إنفاذ القانون وحماية الحدود ومقاومة المهرّبين وتدّعي أنّها تكوّن الغير في فنون القيادة والتواصل ترضى لنفسها أن تؤجر بالمراكنة في خرق فاضح للقانون. ويزداد الأمر سوءا في وضعيّة التعاقد الشفاهي التي أقدمت عليها وقامت بها الإدارة العامة للتكوين وهي جهة رسمية خاضعة لرقابة وإشراف وزير الداخلية، والتي تسلم مديرها العام مبلغ قدره 42 ألفا دينارا نقدا من الجهة المنظمة مباشرة في تجاهل كامل للقوانين المنظمة للتعاقد والتعامل مع الخواص ولمنظومة الصفقات والتزويد.

خاتمة

تحيلنا الوثيقة/الملف موضوع هذه المقالة إلى سياسة متكاملة تم رسم معالمها بعد الثورة وتكريسها بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 بداية مع حكومة الترويكا بقيادة حزب حركة النهضة ولم نقف لها على نهاية بعد، وقوامها إضعاف الأمن القومي وتسريع تفكيك الدولة من خلال اختراق المنظومة الأمنية بالمال الفاسد والتمكين الحزبي والإستعلامي وهرسلة الأمنيين بغاية احتوائهم وفي أقصى الحالات تحييدهم وتصليب شوكة الإرهاب وفتح المجال للتخابر مع مخابرات بعض دول المحاور.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق