الوكيل بالحرس الوطني أنيس الجلاصي شهيد قوات الأمن الداخلي

محمد ياسين الجلاصي
صحفي بالموقع الإلكتروني نواة

كيف ساهم استشهاده في الكشف
عن أخطر أخطبوط تنظيم إرهابي في تونس

الشهيد أنيس الجلاصي، من أوائل مقاتلي تونس الذين قضوا في ساحة القتال دفاعا عن البلاد من خطر الإرهاب، هو شاب أصيل منطقة الكرمة بولاية القيروان ووكيل بالحرس الوطني، عمل قبل استشهاده في جبال ولاية القصرين الحدودية، كان في عمليّة تمشيط في منطقة جبليّة بمنطقة درناية، التابعة لمعتمدية بوشبكة بالقصرين، قبل أن يُصاب برصاص الإرهابيين، ليُسجل في صدارة قائمة شهداء تونس في معركتها ضد الإرهاب والتي تتواصل إلى يومنا هذا.


معسكر درناية 
من معتمدية بوشبكة
أول معسكر لتنظيم كتيبة عقبة ابن نافع
التابع للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي

صبيحة يوم 10 ديسمبر ،2012 توجه أنيس الجلاصي ليستلم مكانه في المنطقة الجبلية الحدودية مع الجزائر، والتي أصبحت بعد ذلك، مسرحا لعمليات إرهابية ذهب ضحيتها عشرات الجنود والأمنيين التونسيين، لم يكن يعلم عند ذهابه لأداء واجبه، أن رئيس منطقة الحرس الوطني بفريانة، قد تلقى معلومات عن طريق إدارة الغابات، مفادها تواجد أشخاص غرباء عن مكان يُعرف باسم “طم صميدة”، حيث توجهت تشكيلة بقيادة عسكرية إلى المكان بهدف تمشيطه، ترافقها في ذلك دورية من فرقة الارشاد الحدودي بفريانة، ودورية من فرقة حدود بوشبكة، من ضمن أفرادها أنيس الجلاصي.

المشرف على التمشيط
وهو رائد بالجيش الوطني جذب الشهيد من قميصه
ومنعه من إطلاق النار

كان أنيس الجلاصي قد تغول في الغابة الجبلية حوالي 800 متر، حتى بلغ مع رفاقه مرتفعا جبليا كشف كل المنطقة تقريبا، هدوء حذر خيم على المكان قبل أن يصيح الوكيل خذيري اللواتي في زملائه “ها هو ها هو ها هو” في إشارة إلى أحد المسلحين، الذين لمحهم يتربصون ويحاولون الاختباء بين الأشجار الكثيفة، حسب شهادة الوكيل أنيس عباس فإن الإرهابي كان يرتدي لباسا عسكرية ويطلق لحية طويلة، قام أنيس الجلاصي حينها بتشغيل بندقيته (نوع فال)، واستعد لإطلاق النار، لكن المشرف على التمشيط، وهو رائد بالجيش الوطني جذبه من قميصه، وأمره بعدم إطلاق النار، قبل تلقي الأوامر بذلك، حسب شهادة نفس الوكيل الذي كان مشاركا في العملية، مازال الوكيل خذيري يصرخ منبها زملاءه، حين فتح الارهابيون النار على الدورية، من أماكن مختلفة لدرجة أنهم لم يتمكنوا من تحديد جميع أماكن إطلاق النار، وهناك، وسط أزيز الرصاص الذي يصم الآذان، وأثناء محاولة عناصر الدورية الاحتماء بالصخور والأشجار، ليتمكنوا من مواجهة أعدائهم، تفطنت العناصر إلى إصابة الشهيد أنيس الجلاصي برصاصة على مستوى ظهره، أسقطته جريحا بين أشجار الغابة الكثيفة، كان أنيس الجلاصي يفترش الأرض وألم الإصابة يمزقه، ومع ذلك، لم يتخل عن سلاحه الذي بقي متمسكا به إلى حين نجدته من قبل زملائه.

لم يتمكن الشهيد من رؤية قاتله، قبل وبعد الإصابة، كان ينادي رفاق دربه، ويقول لقد أصبت “راني تضربت راني تضربت” وهو ينزف ويفترش الأرض التي تخضبت بدمائه، بقي كذلك لفترة من الزمن إلى حين قدوم التعزيزات التي نقلته وهو يكاد يفارق الحياة، لم يصمد طويلا قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة وينتقل إلى الرفيق الأعلى، مقاتلا على الجبهة، مدافعا عن بلده، متصديا للإرهابيين الذين قتلوا بعد ذلك العشرات من الأمنيين والعسكريين، في هجمات عديدة تركز أغلبها بالجبال الحدودية مع الجزائر غربي البلاد. 

استشهاد أنيس الجلاصي

كشف مخطط إرهابي كبير 

بإشراف زعيم أنصار الشريعة 

سيف الله بن حسين المكنى أبو عياض 

لاذت المجموعة الإرهابية بالفرار حينها، لكن تم إلقاء القبض على بعض عناصرها وقتل البعض الآخر فيما لا يزال عدد منهم في حالة فرار، لم تكن مجرد عملية تمشيط قضت على حياة الشهيد أنيس الجلاصي، بل كانت نقطة تحول في مسار مواجهة تونس للمجموعات الإرهابية، حيث كشفت الأبحاث في هذه العملية، وجود تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، الذي شرع بعدٌ، في النشاط على الشريط الحدودي التونسي الجزائري، بكل من جندوبة، والكاف، والقصرين. تأكد ذلك فيما بعد، عند إلقاء القبض على الإرهابي جمال الماجري (من مواليد 1980 أصيل ولاية الكاف)، في ديسمبر 2012 والذي كشف عن مخططات وضعها التنظيم ضد تونس، بقيادة زعيم تنظيم انصار الشريعة سيف الله بن حسين المكنى” أبو عياض” المخطط الرئيسي لكتيبة عقبة ابن نافع، المرتبطة بالقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، حيث بدأ في إرسال الشباب المنتمي لتنظيم أنصار الشريعة، للتدرب على استعمال السلاح في معسكرات تنظيم القاعدة بليبيا ومالي، ثم العودة إلى تونس، والمكوث فيها، وانتظار التعليمات لتنفيذ هجمات،  بعد ضمان الحصول على الأسلحة المهربة من ليبيا ،ونقلها إلى مدن تونسية (مثل دوار هيشر)، لتكون جاهزة عند المواجهة، أو للدفاع عن شباب التنظيم في حالة استهدافهم، وبطبيعة الحال يهدف التنظيم إلى الاعداد الجيد، عند  مواجهة السلطات الأمنية والعسكرية، واستهداف الشخصيات العامة، ورموز نظام الحكم، بهدف السيطرة على البلاد وتطبيق الشريعة.

استشهاد أنيس الجلاصي، كان إشارة انطلاق معركة طويلة وصعبة ضد الإرهاب في تونس، خاصة على الجبهة الجبلية الغربية، وكان أيضا منطلقا لتفكيك أحد أخطر التنظيمات الإرهابية في المنطقة، التنظيم الذي قتل أنيس الجلاصي، تابع لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، ويتلقى الأوامر والدعم اللوجستي والمالي من قياداته بالجزائر، تنظيم ساهم في تأسيسه أبو عياض، ووجوه سلفية جهادية تونسية أخرى، منها من سبق له القتال في بؤر التوتر، مثل سوريا وليبيا والعراق، ومنهم من كانت بدايته مع القتال في هذا التنظيم. 

باستشهاده

تغيرت استراتيجيات التعامل الأمني والعسكري

مع الحالة الإرهابية بتونس

كان تعامل السلطات التونسية آنذاك مع ظاهرة الإرهاب سلبيا، ولم يترق إلى تحديات المرحلة، تعامل سلبي من حكومة الترويكا، أدى إلى سيطرة السلفيين على الشارع، وتهديدهم للحريات، وهجومهم على دور السينما، ومعارض الفن، وعلى الفنانين، تطورت هذه السيطرة لاحقا، لتشمل المساجد والجامعات والعمل الخيري، ثم تسفير الشباب المنتمي لتنظيم أنصار الشريعة إلى بؤر التوتر، منهم من قضى نحبه هناك، ومنهم من عاد إلى تونس لينضم إلى خلايا إرهابية. مع مرور السنوات، اكتسبت تونس خبرة في مواجهة الإرهاب، وأصابت التنظيمات في مقتل، وقمت بتصفية قيادات بارزة فيها، على غرار مراد الغرسلي، المكنى أبو البراءة، وخالد الشايب، المكنى ولقمان أبو صخر، وتمكنت من التخفيف في حدة الهجمات الإرهابية، بعد أن حققت مكاسب هامة من هذه المعركة، ولم يبق من هذه التنظيمات سوى بعض العمليات اليائسة والفاشلة، التي غالبا ما يذهب ضحيتها منفذها فقط.

أحكام قضائية بالإعدام

ضد بعض المتهمين، لكن الرد 

كان حاسما من القوات الحاملة للسلاح

أحالت الوحدة الوطنية للأبحاث في جرائم الإرهاب بالعوينة في مارس 2014، أي بعد سنة وأربعة أشهر من العملية، القضية على قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة، حيث بلغ عدد المتهمين فيها 75، منهم 36 في حالة إيقاف ،والبقية في حالة فرار أو في حالة سراح، من أجل قتل نفس بشرية عمدا مع سابقية القصد، وارتكاب مؤامرة واقعة قصد اقتراف أحد الاعتداءات ضد أمن الدولة الخارجي، وتكوين وفاق قصد الاعتداء على الأملاك والأشخاص، والانضمام إلى تنظيم إرهابي داخل أو خارج تراب الجمهورية وانتداب وتدريب أشخاص قصد ارتكاب عمل إرهابي، واستعمال تراب الجمهورية قصد ارتكاب عمل إرهابي ضد بلد آخر ومواطنيه، والمشاركة في ذلك. بعد خمس سنوات، سنة 2017 أصدرت المحكمة أحكاما تتراوح بين الإعدام في حق ثلاثة متهمين، وعدم سماع الدعوى في حق ثمانية آخرين، فيما حكم على البقية بالسجن بين سنة وواحد وعشرون سنة في حق البقية. 

كانت القوات الحاملة للسلاح، وتحديدا الوحدات الخاصة، قد تمكنت، في عمليتين نوعيتين، خلال سنة 2015، من تصفية قتلة الشهيد أنيس الجلاصي، وخاصة الإرهابي الجزائري خالد الشايب المكنى لقمان أبو صخر، في شهر أفريل 2015، بسيدي عيش من ولاية قفصة، ومراد الغرسلي، المكنى أبو البراءة، في جبل عرباط بنفس الولاية، في شهر جويلية من نفس السنة.

لم يذهب دم الشهيد أنيس الجلاصي سدى، بل سال عزيزا وغاليا، ليكشف لتونس، الغارقة في سبات متعمد ربما، حالة احتلال إرهابي للجبال الغربية، في الحدود مع الجزائر، كان سقوطه في تلك الجبال، وهو الذي منع سقوط ذلك الجزء الغالي من تونس في قبضة الإرهاب.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق