المدرسة ساحة مواجهة فكريّة مع الإرهاب

أجرت الحوار الباحثة 

كاميليا بن عياد

من خلال دراسة قام بها المركز التونسي للدراسات والبحوث حول الإرهاب بالتعاون مع المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بتاريخ أكتوبر 2016 وبعنوان الإرهاب في تونس من خلال الملفات القضائية ، توصل إلى أن انخراط تلامذة التعليم الثانوي في العمل الإرهابي تبلغ نسبة 33 % بما يفيد أن هذه الفئة من المجتمع التونسي المتراوح أعمارها بين (18 – 24 سنة) والمتسمة بالهشاشة، والاندفاع  والحماسة وبطاقاتهم الهائلة وبثقتهم بأنفسهم وبأنهم “قادرون على تغيير العالم” فهم يبحثون عن فرص تُستثمر فيها طاقاتهم، وحين يصطدمون بغياب الفرص يتحول طموحهم إلى إحباط يستهدفه الفكر الظلامي ويستغلهم لبناء عالم خال من الإنسانية مستعملين في إستمالة ضحاياهم للدخول في عالمهم “الدين وحسن الثواب في الآخرة” فينظر الشباب إلى تلك الفئات بانبهار وإلى جرائمهم على أنها إنجازات عظيمة. 

في المقابل كان علينا أن نستعد ونتجند لنواجه الخطر ونبحث عن مساحات من أفكار تشجع على قبول الآخر وممارسة الاختلاف الا والاستثمار في عقول الشباب وطاقاتهم وتحويلها إلى فعل إرادي إيجابي قادر على تغيير واقعه من خلال تملك أدوات التحليل والنقد والإبداع. 

ذلك ما دفعنا إلى تحويل المؤسسة التربوية من المهام التقليدية الجافة، إلى الفعل التشاركي بدعوة  الروائي الأستاذ صلاح البرقاوي صاحب رواية كازما في لقاء مع التلاميذ والإطار التربوي لتعميق عديد الأفكار وطرح الإشكالات، بالجرأة الكافية وهو فعلا ما تم في لقاء وصفه صاحب رواية كازما بالاكتشاف الجميل ونعته الدكتور في الطب النفسي حاتم العشاش بالكتابة الثانية لرواية كازما..

أبدع أحد التلاميذ “آدم جمعة” لما تقمص الشخصية المحورية لرواية “كازما” في مقطع تمثيلي جلب انتباه الحاضرين وتعددت ردود الفعل وتنوعت من الخوف إلى الصمت وكان عامل المفاجئة شديد الوقع وهم يعيشون لحظة لقاء مباشر مع شخصية إرهابية انتهت مهزومة، تدفقت إثر ذلك تدخلات الحضور وتناولت غياب مؤسسات الدولة في بعدها الانساني، فكان البديل حضور العنف والتطرف العنيف والإرهاب 

تلك المشاريع التدميرية التي كان لزاما على المجتمع تحصين مكوناته ومنها فضاءات التعلم.

ربما كان اللقاء محفزا الأستاذ صلاح البرقاوي على التمادي في الكتابة وهو ما وعد به في تلك الامسية،  كما كان مناسبة لجمهور التلاميذ وأساتذتهم لتلمس مشروع في حجم الوطن ليس أثمن من غزل الأفكار لأنها الجدار الأخير.

التقديم

الكتاب: كازما

الجنس الأدبي: رواية

دار النشر: مسكيلياني للنشر والتوزيع

الطبعة الاولى: 2019

كازما هو رواية للأديب صلاح البرقاوي صدر عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع في طبعته الأولى سنه 2019 سلسله مسارات التي يديرها الأستاذ رمزي بن رحومة

وهو كتاب من الحجم المتوسط يعالج فيه صاحبه ظاهرة الإرهاب من وجهة نظر خاصة حاول من خلالها تفسير هذه الظاهرة باعتبارها تنبع من الداخل وتتأسس على مبدأ الاختيار

الأسئلة

•  ماذا يمكن ان نعرف عن الأستاذ؟ او من هو صلاح البرقاوي؟

صلاح البرقاوي من مواليد 1959 بدشرة عين بوسعدية برقو ولاية سليانة، زاولت تعليمي بسليانة وحصلت على البكالوريا آداب سنة 1978 ثم الإجازة في الحقوق سنة 1983من كلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية بتونس، انخرطت في القضاء بداية من أكتوبر 1984 ثم التحقت بمهنة المحاماة بداية من شهر نوفمبر 1995 وفتحت مكتبا بسليانة. كانت لي تجربة سياسية قصيرة بعد سنة 2011 التحقت على إثرها بمجلس نواب الشعب كنائب عن دائرة سليانة خلال الفترة الفاصلة بين سنة 2014 و2019.

•  لماذا فضّل الأستاذ كتابة الرواية على الشعر مثلا؟ وهل لوظيفته كمحام علاقة لذلك؟

في الحقيقة لم يترك لي العمل متسعا من الوقت لخوض تجربة الكتابة مبكرا. وكما ترون نشرت روايتي الأولى في سن الستين، وهي سن لم يبلغها العديد من الكتاب ولم يكتبوا فيها شيئا. أما لماذا كتبت الرواية وليس الشعر، فهذا شيء لا أملك إجابة محددة عنه. ربما يعود ذلك إلى أنني لم أكن دائما راضيا على بعض محاولاتي المتواضعة في الشعر، الشيء الذي جعلني قليل الإصرار على كتابته. أما الرواية فهي أقرب إلى نفسي لأنها شكل الكتابة الذي يستوعب تقريبا كل الاختصاصات والأشكال. أما وظيفتي كمحامي فلا أعتقد أن لها تأثيرا على هذا الاختيار. لأن الكتابة ترتبط بالشغف الذي يسكن الكاتب ولا علاقة لها بمهنة من المهن.

•  هل للملفات القضائية حضور في الرواية؟

على الرغم من أن كازما تضمنت الإشارة إلى بعض الملفات القضائية، فإنه لا يمكنني أن أقول أن هذه الملفات (بمعناها الفني الدقيق) لها حضور في الرواية، وإن كنت لا أستطيع التأكيد بأنني كنت عاريا تماما من تجربتي المهنية عند الكتابة. فنحن لا نكتب في الأخير سوى أنفسنا بكل التجارب التي عشناها على مدى العمر.

•  هل في اختيارك هذا الموضوع علاقة بتجربة واقعية بتعاطف مع الشخصية؟

لا يمكنني تأكيد هذا ولا نفيه. كل ما يمكنني قوله هو أنني واكبت أخبار الاعتداءات الإرهابية التي تعرضت لها بلادنا بنفس الألم الذي أحسته غالبية التونسيين. وأعتقد أنه على كل واحد منا أن يفعل ما في استطاعته لتفكيك هذه الظاهرة الخطيرة والمساهمة في القضاء عليها. وقد وجدت شخصيا في الكتابة مجالا للمشاركة في هذا الجهد. من ناحية أخرى عشنا في جبل برقو الذي يعود إليه أصلي بعض الأحداث المتصلة بالقضاء على أحد العناصر الإرهابية. ولعل تفاعل هذه الأشياء في ذهني هو ما أثمر رواية كازما. وإذا أحس البعض أن ثمة نوع من التعاطف مع البطل، فهو تعاطف مع الإنسان بصورة عامة وليس مع الشخص الإرهابي تحديدا.

•  هل يمكن ان نجدك في إحدى شخصيات الرواية؟

في الواقع أنا موزع على شخصيات الرواية بنسب متفاوتة، الإناث منهم كما الذكور. ربما كنت فقط أكثر حظا من غالبيتهم لا أكثر ولا أقل.

•  نلمس من وراء اختيار شخصية هذا البطل “صالح” رغبة في طرح عديد القضايا التي تعاني منها الدشرة : -الفقر والخصاصة – التهميش- غياب التنمية- الجهل. لكنك أوليت اهتمامك موضوع الإرهاب إلى أي مدى تعتبر الظاهرة الإرهابية ذات أولوية؟

أنا ممن يعتبرون الإرهاب نتيجة لا سببا. وهذه النتيجة لها مقدمات عديدة، منها ما هو موضوعي ومنها ما هو ذاتي. لذلك لا يمكن النظر إلى الظاهرة الإرهابية والحديث عنها متجزأة من واقعها وأسبابها القريبة والبعيدة. على أن موضوع الإرهاب رغم أهميته لم يكن دائما مركز الاهتمام الوحيد في الرواية، بل شكل مبررا لطرح الأوجاع الأخرى التي يعاني منها الوطن.

•  الشخصية الرئيسية في الرواية رغم اقترافها لجرائم بشعة تجعل القارئ يتعاطف معها أليس في هذا خطورة؟

الخطورة الحقيقية هي في الإرهاب كظاهرة وليست في شخص بعينه. والخطورة الحقيقية كذلك في أسباب الإرهاب، وليست في فرد ضلّ الطريق فصار خطرا على محيطه ومجتمعه. أن يتعاطف القارئ مع الشخصية الرئيسية، فهذا أمر يهمه هو وحده. فالنص في الأخير ملك له. والقراءة غالبا ما تكون سوء تفاهم بين القارئ والمؤلف. وهذا الأمر لا يجب أن يزعج أحدا منهما.

•  الإرهابي في كازما ضحية ومغرر به إن كان كذلك فمن يتحمل المسؤولية؟

على الرغم من اختلاف الأوضاع، فإنه كثيرا ما يكون الناس في مآسيهم نصف ضحايا / نصف مسؤولين. وغالبا ما نجد شيئا نسائلهم من أجله، إلا إذا كانوا فاقدي عقل منزوعي الإرادة تماما. وأرى أن كل مبالغة في اعتماد المنطق الذي يعتبر المجرمين ضحايا، قد يؤدي إلى إفلات الجميع من كل محاسبة.

•  الدشرة غير قادرة على إنجاب الأسوياء فحتى الشخصية الناجحة (الراوي) صورها المؤلف في الصحافي الانتهازي أليس في ذلك اجحاف؟ الدشرة لا تنتج إلا القسوة وكان قدرها أن تفشل تارة مع صالح وتفشل طورا من خلال المثقف الانتهازي.

الدشرة في الرواية لا يمكن اختصارها في صالح وتوفيق. وإذا كان هذان الأخيران قد ظهرا غير سويين، فلأنهما خرجا على القيم السائدة فيها. بما يعني أنهما يمثلان نموذجين لبطلين سلبيين في دشرة تسير في حياتها وفق نظام من القيم السوية.

•  كيف سجلت الرواية حضورا للمرأة اقتصاديا واجتماعيا رغم محدوديتها في فضاء تنهشه الخرافة؟

على الرغم من التقاليد السائدة في الدشرة وسيطرة الخرافة والثقافة الذكورية، فإن الرواية لا تخلو من نماذج مختلفة للمرأة. منها والدة صالح التي مثلت رمز الصبر والتمسك بالقيم القديمة. النموذج الثاني هو ابنة خالة البطل التي إنخرطت في العمل بمعمل لمستثمر أجنبي في إطار التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها البلاد. أما النموذج الأخير فتمثله هنية، المرأة المتمردة التي رفضت الزواج من رجل لا تحبه وعادت بعد سنين إلى الدشرة، وقد اكتسبت مكانة اجتماعية جعلت الناس هناك يقبلونها بعد أن كانوا في السابق يدينون سلوكها.

• من خلال الرواية نلاحظ تحميل العوامل الموضوعية وزر التحولات النفسية لصالح (من شخصية إلى شخصية) وهي التي دفعته إلى التحول إلى إرهابي

– لماذا لم تساعده تلك العوامل للتحول فيما بعد إلى شخصية تقاوم الإرهاب؟

في الواقع كل التحولات التي يعيشها أي شخص هي نتاج تفاعل عوامل موضوعية وذاتية. فنفس العوامل الموضوعية لا تنتج بالضرورة ودائما نفس الآثار لدى الجميع. وقد انطلقتُ في دراسة الظاهرة الإرهابية من تحليل عكسي لشعار الحرب على الإرهاب الذي يقدمها على أنها حرب شاملة بوجوه متعددة، منها الثقافي والتربوي والقضائي والأمني… وقد كانت الرواية مساءلة لنا جميعا، مجتمعا ومؤسسات، عما قمنا به للحيلولة دون استفحال الظاهرة، قبل اللجوء إلى معالجتها البعدية بالرصاص.

أما لماذا لم تساعد العوامل الموضوعية صالح ليتحول إلى شخصية تقاوم الإرهاب، فلأن المجموعات الإرهابية كثيرا ما تعمل على توريط المنضمين إليها حديثا في أعمال القتل، وتوثيق تلك الأعمال لتغلق في وجوههم باب العودة إلى الحياة الطبيعية.

•  لماذا لم ينجح السجن ولا الجبل في تخليص البطل من أحقاده إذ وجدناه في كل تجربة يعيد الكرة في اتجاه الانتقام مع إضافة وجهة جديدة؟

أولا لأن المنظومة السجنية لا تبدو مهيأة للقيام بدورها الإصلاحي الذي يعبر عنه اسمها (السجون والإصلاح). بل إنها تتحول أحيانا إلى فضاء يساهم، بسبب النقائص اللوجستية خصوصا، في تحويل بعض مجرمي الحق العام إلى إرهابيين. كما أن الأخطاء والمبالغات التي ترافق أحيانا أعمال التحقيق والتتبع والمحاكمة يمكن أن تؤدي إلى تخريج أفواج من الناقمين من السجن بعد قضائهم للعقوبة، عوض أن يكونوا نادمين على ما اقترفوه. أما بخصوص فشل الجبل في المساعدة على تحقيق التحول الذي تتحدثون عنه، فلأنه غير قادر على ذلك. فالأشخاص الذين يعاشرهم الوافد الجديد هناك لا يمكن إلا أن يغذوا شعوره بالحقد، لاقتران النزوع إلى الإرهاب عادة بمشاعر الحقد على الجميع.

•  بعيدا عن الأدوار المعلنة المؤسسة السجنية هي في الحقيقة تلعب دورا محوريا في تغذية الظاهرة الإرهابية ونحن نلاحظ أن المؤلف اقتصر على تحميلها وحدها مسؤولية الاستقطاب للإرهاب؟

مثلما قلنا سابقا، تبدو النقائص اللوجستية في المؤسسة السجنية من أهم الأسباب التي تعيقها عن القيام بدورها الإصلاحي كما يجب. لكن القول بأن الرواية حمّلتها بمفردها مسؤولية الاستقطاب للإرهاب، يغفل الحديث عن الدروس التي تلقاها صالح المزاري قبل التحاقه بالجبل، وعن الدور الذي تلعبه القنوات التلفزية في هذا المضمار، وتأثير قائد الكتيبة.

إلى أي مدى يخفي الإسلام السياسي خطابا أكثر خطورة بإستهداف الناشئة عند القول “يهمونا ولادهم” في تقاطع فكر الإرهابيين مع فكر حركة النهضة؟

أنا مع من يرى أن الدين لا يكون إلا فرديا. فهو علاقة عمودية بين الإنسان والإله الذي يؤمن به. وهو يتوقف عن أن يكون دينا، ويتحول إلى سياسة عندما يقع استعماله جماعيا لتلبية الشهوة إلى السلطة. ورغم اختلاف الوسائل بين الأحزاب التي تستعمل الدين من أجل الوصول إلى الحكم عن طريق صندوق الاقتراع، والمجموعات الإرهابية، فإن الأسس النظرية والأهداف تبقى غالبا واحدة. ونجد أثرا واضحا لهذا الرأي في خطاب حزب النهضة في الفترة التي تلت سنة 2011، وفي التسهيلات التي منحتها لما كانت في الحكم للجماعات المتطرفة آنذاك. ألم يقل زعيم النهضة في حواره مع بعض قادة أنصار الشريعة في فيديو شهير “انكم تذكرونني بشبابي…!”.

 إلى أي مدى نستطيع الدفاع على مشروع “استرجاع  من غرّر بهم “؟

لا أحد يمكنه أن ينكر دور المؤسستين العسكرية والأمنية في التصدي للإرهاب أو أن يجادل في مشروعية استعمال الدولة لقوتها لمواجهة من يستهدفون أمن الناس والمؤسسات، وإن كان هذا لا يبرر دائما العنف الذي تمارسه هي ضد مواطنيها. لكن لا يجب أن يظل الجهد المبذول في التصدي للظاهرة مقصورا على هذا الجانب، أو منوطا بعهدة القوات الحاملة للسلاح. ولا يجب أن نهمل الجوانب الأخرى في مقاومة الظاهرة. لأن قتل عنصر إرهابي أو سجنه، إذا كان يؤدي إلى تحييده، فإنه لا ينهي المسألة. وبناء على ذلك لا بد من إشراك جميع الأطراف المعنية بدراسة ومعالجة الظاهرة الإرهابية، من علماء نفس وعلماء اجتماع وعلماء تربية وقضاة وأمنيين وعسكريين….

•  هل كان الراوي قادرا على تقديم صالح على ما طرأ على شخصيته من تحول هل كان يعرفه حقا؟

تحضرني أغنية تقول: “شو سهل الحكي. ما حدش عارف بقلب الثاني شو فيه…”. وعلى الرغم من اختلاف السياق بين الموضوع الذي نحن بصدده وموضوع الأغنية، فإن ما يوحد بين السياقين هو صعوبة الإحاطة بالتفاعلات التي تجري داخل النفس البشرية نتيجة الضغوط والحوادث التي تتعرض لها. لذلك لم يكن غريبا أن يكتشف الراوي في الأخير أنه لا يعرف صديقه، خصوصا أنه انقطع عنه وأهمله طيلة سنوات.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق