طرق التحرّي الخاصة في قانون الإرهاب بين التحقيق والنيابة

هيثم الزعيبي
محام وباحث

لم تنحاز الدولة الوطنية المستقلة حديثا الى نظام جزائي بعينه، فقد كان مشرع مجلة الإجراءات الجزائية سنة 1968 محتارا بين نظامين إجرائيين في المادة الجزائية لكل منهما محاسنه وعيوبه: 

  • النظام الإجرائي الأول: هو النظام الاستقرائي أو التحقيقي، اعتبرته القاضية سميحة الشريف أن: جوهر النظام التحقيقي يتمثل في أن الدعوى العمومية لا ترفع مباشرة إلى القاضي بل تمر قبل ذلك بمرحلة تجمع فيها الإستدلالات ويجري فيها تحقيق وهو مرد إسم النظام التحقيقي[1] ، ومن خصائصه أنه يسرع في كشف الحقيقة وجمع أدلة الإتهام ويثبت جدوى الأعمال القضائية طالما أن كشف ما قد يشوبها من عيوب لا يمكن أن يظهر للعيان من الوهلة الأولى. غير أنه رغم جدواها ونجاعته، يعرض المتهم لأهواء باحثه ونزواته، ويسهل طمس الحقيقة، وتغيير أدلتها، دون رقابة في ذلك من أية جهة. كما أنه يعزل المتهم عن أدلة إثبات براءته التي يتعذر عليه، في إطار سرية الإجراءات، أن يتقدم بها إثباتا لصحة ما قدمه من تصريحات. ومن هذا النظام الإستقرائي إنبثقت مؤسسة النيابة العمومية وتوسعت سلطاتها وتشبعت وكبر دورها في الإجراءات الجزائية حتى أصبحت تستحوذ على أغلب مساراتها خلال المراحل الأولى لكشف الجرائم والبحث عن أدلتها وضبط مرتكبيها.
  • النظام الإجرائي الثاني: هو النظام الإتهامي وهو النظام الأقدم، ويستمد تسميته من كون الدعوى العمومية لا تقوم إلا على الإتهام، اي لا يمكن أن يحصل تتبع جزائي إلا عند توجيه التهمة من طرف على آخر. وقد إعتبرت سميحة الشريف أن هذا النظام:” يكرس مبدأ المساواة بين جميع المواطنين إذ تعتبر الدعوى العمومية بمثابة خصومة عادية بين الطرفين أمام قاض محايد”[2].

ويتأسس هذا النظام بإمتياز على قاعدة الإثبات الحر ومبدأ المواجهة، لا دور فيه للسلطة العامة أو للنيابة العمومية. 

إن المتأمل في النظام الاجرائي الجزائي التونسي بعد أن إستقرت ملامحه في مجلة الاجراءات الإجرائية الصادرة في 24/07/1968 يكتشف دون عناء، إن الدولة الوطنية قد إختارت لها نظاما إجرائيا في المادة الجزائية إصطلح الفقهاء على تسميته بالنظام المختلط، وهو نظام يستند الى جملة من القواعد الإستقرائية وإلى جملة القواعد ذات الإرتباط المرجعي بالنظام الإتهامي. وإن كانت أغلب القواعد المنظمة لمجلة الإجراءات الجزائية تميل بشكل واضح إلى النظام الإستقرائي، يستند بشكل رئيسي ومركزي على الفصل بين سلطتي التتبع والتحقيق، فقد كان القاضي محمد الصالح الزيدي، محقا حين إعتبر أن: الدعوى العمومية المتمثلة في الملاحقة بالعقاب في النظام الإجرائي المختلط يجعل من النيابة العمومية صاحبة الولاية الأصلية في إقامة الدعوى العمومية”[3].

كان إعتبر حاتم الأحمر، أن قانون الإرهاب، بإعتباره نصا خاصا، ولئن حافظ على الآليات التقليدية من مأموري الضابطة العدلية والتحقيق ومحاكم القضاء وهي الآليات التي سنها النص العام للإجراءات الجزائية إلا أنه (أي النص الخاص)، قد أدخل تحويرات جوهرية على الصلاحيات الموكولة لجملة هذه الأجهزة وذلك في نطاق توفير جهة مركزية تتجمع فيها الجهود قصد تحقيق أكثر ما يمكن من النجاعة وإحاطها بنظام حماية مخصوص.[4] فيما إعتبر القاضي عصام الخميري أن المبدأ الإجرائي يفترض أن يكون قاض التحقيق متوقفا على صدور قرار يأذن بفتح بحث، إلا أن هذه القاعدة ليست مطلقة إذ توجد بعض الحالات التي يتعذر فيها على حاكم التحقيق، إنتظار قرار إجراء بحث صادر عن وكيل الجمهورية. وهذه الحالة (الفصل 35) تثبت بوضوح التداخل بين إختصاصي النيابة العمومية وقاضي التحقيق وهو تداخل يمثل أحد القيود الهامة التي ترد على إختصاص النيابة العمومية في الإذن بإجراء بحث تحقيقي[5]، فأساس الجمع بين سلطتي التتبع والتحقيق في هذه الحالة، مناطه التأكد والسرعة في مواجهة حالة التلبس من جهة ولكن أيضا لوجود معطيات وظروف يتعذر تأخير الأعمال لانتظار موقف النيابة العمومية في شانها. 

ومع ظهور القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 07/08/2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال تمت مراجعة العلاقة بين سلطتي التتبع والتحقيق بشكل كامل ينبئ بظهور نظام إجرائي جزائي خاص مكتمل الملامح والأركان تم فيه أحداث آليات تحري خاصة (القسم الأول) وآليات إستثنائية للتصدي لتمويل الإرهاب وغسل الأموال (القسم الثاني).

القسم الأول: طرق التحري الخاصة في الجريمة الإرهابية

إن مراجعة النصوص الإجرائية الواردة بالقانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015، المنقح بالقانون الأساسي عدد 9 لسنة 2019، تكشف عن توجه تشريعي جديد، ليس فقط في مستوى استنباط آليات قانونية غير مسبوقة في البحث والتحري في جرائم الإرهاب (الفرع الأول) وإنما أيضا من خلال التأسيس لعلاقة مختلفة بين النيابة العمومية والتحقيق (الفرع الثاني) تمثل تجاوزا إجرائيا مميزا لما كان سائدا.

الفرع الاول: التأسيس لتوازن جديد بين النيابة العمومية والتحقيق في قانون الإرهاب

رغم أن الفصل الرابع من قانون الإرهاب الجديد أحال على مجلة الإجراءات الجزائية وإعتبرها منطبقة بقدر ما لا تتعارض مع أحكامه، إلا أن ذلك لا يحجب ما إستقر عليه فقه قضاء محكمة التعقيب بدوائرها المجتمعة في المادة الجزائية من أن النص الخاص يقدم على النص العام. هذا التوازن الجديد يجد أساسا له في طرق التحري الجديدة التي أضيفت بهذا القانون (المبحث الأول) وكذلك أيضا في طبيعة الإجراءات والأعمال التي تباشرها لجان وطنية وهيئات خاصة (المبحث الثاني).

المبحث الأول: طرق التحري الجديدة

أقرَ القانون الجديد آليات أضيفت إلى المنظومة الإجرائية الجزائية تتلاءم مع تشعب الجريمة الإرهابية وصعوبة كشف أطوارها وملابساتها، وقد إعتمد فيها المشرع على وسائل الإتصالات الحديثة، ليساير بذلك نمط الحركة الإرهابية التي نجحت في الإلتصاق بأحدث التكنولوجيات، وإستعمالها في إرتكاب الجرائم. ولقد خول القانون الجديد لكل من وكيل الجمهورية وحاكم التحقيق، سلطة إعتراض الإتصالات والإختراق والمراقبة السمعية البصرية وفق شروط محددة، إلا أن تلك الصلاحيات مقارنة بمجلة الإجراءات الجزائية تمثل حصرا لسلطات حاكم التحقيق (الفقرة الثانية) وإطلاقا ليد النيابة العمومية (الفقرة الأولى).

الفقرة الاولى: إطلاق يد النيابة العمومية

1.سلطة اعتراض الاتصالات

أضيفت بموجب هذا القانون للنيابة العمومية سلطة إعتراض الإتصالات وهي عملية تتمثل في الحصول على البيانات والتنصت والإطلاع على محتوى الإتصالات. بمعنى أنها عملية فنية تسمح بالإطلاع على مضمون المعطيات الشخصية التي يباشرها ذي الشبهة من خلال أدوات التواصل والإتصال. إذ إعتبر نزار كرمي أن مأموري الضابطة العدلية الذين يباشرون مهامهم تحت إشراف وكيل الجمهورية صار بإمكانهم معاينة الجرائم وجمع أدلتها والبحث عن مرتكبيها في كامل تراب الجمهورية دون التقيد بقواعد الإختصاص الترابي[6]. وهذا يمكنهم من إعتراض الإتصالات على كامل تراب الجمهورية وخاصة في الأماكن النائية التي أصبحت ملاذا للخلايا الإرهابية.

والمعلوم أن مجلة الإجراءات الجزائية لم تنظم حالة إعتراض الإتصالات من طرف وكيل الجمهورية بشكل واضح وإنما استندت النيابة في إستنباط هذا النوع من الإجراءات ما يخوله لها القانون في البحث عن الجرائم والكشف عن أدلتها والقبض على مرتكبيها أي من خلال وجود شكاية أو جريمة واضحة المعالم وسابقة لإعتراض الإتصالات، غير أن الفصل 54 من قانون الإرهاب الجديد قد أسند لها سلطة إعتراض الإتصالات بشكل واسع عندما نص على أنه في الحالات التي تقتضيها ضرورة البحث. وهو مصطلح غامض وفضفاض ويفتح أمام النيابة العمومية سلسلة لا متناهية من الحالات. وما يثير الإلتباس أكثر إن نص الفصل 54 في فقرته الأخيرة جاء غامضا غير محدد، عند حديثه على الجهة المكلفة بتنفيذ الإعتراض، التي يتعين عليها إعلام وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق، بحسب الأحوال، بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا، بالترتيبات التي تم إتخاذها لإنجازه، وبالتاريخ الفعلي لإنطلاق عملية الإعتراض. فقد نص الفصل 56 من قانون مكافحة الإرهاب الجديد، عند حديثه عن تكليف الجهة الغامضة المعنية بالإعتراضات بما يلي: “تحرر الجهة المكلفة بإنجاز الإعتراض، عند إتمام أعمالها، تقريرا يتضمن وصفا للترتيبات المتخذة والعمليات التي أنجزت ونتائجها يرفق وجوبا بالبيانات التي تسنى جمعها أو نسخها أو تسجيلها وكذلك البيانات التي تمكن من حفظها وقراءتها وفهمها والمفيدة لكشف الحقيقة.

إذا لم تترتب عن المعطيات المجمعة من الإعتراض تتبعات جزائية، فإنها تتمتع بمقتضيات الحماية وفقا للتشريع الجاري به العمل في مجال حماية المعطيات الشخصية”.

المبدأ حسب الأستاذ كمال سعد أن مأموري الضبط القضائي لا يجوز لهم التنصت على المحادثات التليفونية او تسجيلها قبل بدا التحقيق الإبتدائي دون الحصول على إذن من قاضي التحقيق ولهذا يكاد الاجماع أن ينعقد فقها وقضاء على إدانة مراقبة المحادثات التليفونية قبل إتخاذ قرار في فتح بحث[7]ولقد إستقر فقه قضاء محكمة التعقيب الفرنسية في قراراتها على أن التنصت او التسجيل الذي يقومون به مأمورو الضابطة العدلية في مرحلة جمع الإستدلالات غير مشروع، وموجب لبطلان المحاضر. وهو ذات ما إستقر عليه فقه قضاء محكمة النقض المصرية عندما أقرت: الأصل في الإذن بالتفتيش أو بتسجيل المحادثات أنه إجراء من إجراءات التحقيق لا يصح إصداره إلا لضبط جريمة جناية أو جنحة وقعت بالفعل وترجحت نسبتها إلى متهم معين وإن هناك من الدلائل ما يكفي للتصدي لحرمة مسكنه أو حريته الشخصية[8].

كما قضت محكمة جنايات الجيزة ببطلان الدليل المستمد من مراقبة المحادثات التليفونية بواسطة مأمور الضبط القضائي لأنه باشرها قبل وقوع الجريمة وأكدت في حكمها أن: المراقبة التليفونية إجراء من إجراءات التحقيق بقصد التنقيب على دليل من خلال المراقبة لإسناد التهمة إلى المتهم في جريمة وقعت بالفعل قبل صدور الإذن بالمراقبة، ولم تشرع المراقبة التليفونية لكي تستخدم وسيلة تحري عن الجرائم[9]فالمتأمل في محتوى هذا النص يدرك وجود سلطة تقديرية ضمنية للجهة المكلفة بإنجاز الإعتراض في وصف الترتيبات المتخذة والعمليات المنجزة. كما يتضمن الفصل سوء فهم للعملية الفنية التي يراد إنجازها إذ أوجب النص على الجهة المكلفة إضافة البيانات التي تسنى جمعها أو نسخها أو تسجيلها وهو ما يسمح بالتلاعب في محتواها عند نقلها من الأجهزة الأصلية الى التسجيلات في الأقراص المضغوطة. ولذلك كان أسلم من الناحية الفنية إضافة تدقيق متعلق بالمطالبة بالتسجيلات على حالتها الأصلية وهو الشرط الذي تصبح به الجهة المكلفة لإعتراض الإتصالات مطالبة بتنزيل المحتوى الأصلي بكل دقة في الأقراص المضغوطة.

ويثير تحويل التسجيلات الصوتية التي تم إعتراضها، بتنزيل محتواها، وتغييره إلى محتوى مادي إشكالات تقنية عند تسليمه للنيابة العمومية، أو التحقيق، إذ إكتفى نص الفصل 56، بالإشارة إلى البيانات التي تسنى جمعها أو نسخها أو تسجيلها، وكذلك البيانات التي تمكن من حفظها وقراءتها وفهمها، والمفيدة لكشف الحقيقة. فمن حق الجهة المكلفة باعتراض الإتصالات، أن تلائمها مع أجهزتها الفنية والتقنية، حتى تتمكن من تفكيكها بالفهم والقراءة والحفظ.

وتطرح مسالة إعتراض الإتصالات إشكاليتين إجرائيتين رئيسيتين:

الأولى متعلقة بالملف المستقل الذي يفتح بمناسبة إعتراض الإتصالات (أ) والثانية حدود التتبعات الجزائية التي يمكن ان تنشأ عنه (ب):

أ.الاشكالية المتعلقة بالملف المستقل

نص الفصل 55 من القانون الأساسي عدد 26 في فقرته الثانية على ما يلي: تضمن جميع المكاتبات والمراسلات والتقارير المتعلقة بعملية الاعتراض بملف مستقل خاص يقع إضافته للملف الأصلي قبل إتخاذ قرار في إجراء البحث أو قبل إصدار قرار في ختم التحقيق.

يثار الإشكال في خصوص الملف المستقل الذي يتضمن تلك الأعمال لدى النيابة العمومية في أنه لم تنطلق بعد إجراءات البحث والتحري وتوجيه الإتهام وفتح بحث تحقيقي أي أننا بصدد مرحلة سابقة لوجود بحث وهي مرحلة غير مشمولة بأي غطاء قانوني إذ أن النظام الإجرائي الجزائي العام يشترط وجود محاضر تسبق القرار العلل بإعتراض الإتصالات.

أما في هذه الحالة فإن قرار إعتراض الإتصالات هو الذي يسبق وجود المحاضر والأبحاث والتحريات بمعنى أن النيابة العمومية بموجب قرار معلل في إعتراض الإتصالات تنشا ملفا مستقل تضمن فيه كل الأعمال إلى أن تتخذ قرارا في فتح بحث تحقيقي وفي هذه الحالة تضيف الملف المستقل الحامل للمعطيات السرية للملف الأصلي ويحالان مجتمعين إلى حاكم التحقيق بموجب قرار بفتح البحث.

إن الفقرة الثانية من الفصل 56 يمكن إعتبارها نص منشأ لسلطة جديدة لم تكن النيابة العمومية تملكها بموجب النصوص العامة ذلك أنها صارت صاحبة سلطة في الوقاية من الجرائم الإرهابية بإتخاذ أعمال إحتياطية لا سند لها في الملف عند إتخاذها. بمعنى أنه ولمدة ثمانية أشهر كاملة يمكن للنيابة العمومية وبمجرد قرار معلل إعتراض إتصالات جميع المواطنين سياسيين كانوا أو نقابيين أو حقوقيين أو قضاة.

فإذا ما إستعدنا فكرة أن النيابة العمومية تخضع رئاسيا وسياديا لسلطة وزير العدل وهو جزء من السلطة التنفيذية فإن إعتراض الإتصالات على هذه الدرجة من الضبابية في المعايير والضوابط من شأنه أن يستعمل كأداة لتسوية الخلافات السياسية.

ب. التتبعات الجزائية كنتيجة لاعتراض الاتصالات

سبقت الإشارة إلى أنه عند إتخاذ وكيل الجمهورية لقرار معلل في إعتراض الإتصالات لم يكن قد إتخذ قرارا في فتح البحث ولذلك جمع كل الوثائق الناتجة عن تنفيذ قرار الإعتراض بملف مستقل. ويصح في هذا المستوى من التحليل إعتبار أن نصوص التتبع والإحالة لم تخرج إلى العلنية من وجدان وكيل الجمهورية طالما أنه لم يأذن بفتح بحث. ولذلك وسع الفصل 65 من القانون الأساسي عدد 26 من حجية الإثبات المستمدة من إعتراض الإتصالات الذي نص على ما يلي: لا يمكن إستعمال وسائل الإثبات التي وقع جمعها بمناسبة عملية إختراق أو إعتراض أو مراقبة سمعية بصرية إلا في حدود إثبات الجرائم المعنية بالبحث أو غيرها من الجرائم الإرهابية. فالفصل 65 المشار إليه لم يكتفي بإضفاء الشرعية على الأدلة التي إستمدت بإعتراض الإتصالات لإثبات الجرائم المعنية بالبحث أي تلك التي أشار إليها وكيل الجمهورية عند تعليله لقراره المتعلق بإعتراض الإتصالات أي تلك التي كانت سببا في إتخاذ قرار الإعتراض نفسه بل ذهب مشرع الفصل 65 الى إعتبار أن نتيجة إعتراض الإتصالات تمتد من حيث إثبات الجرائم إلى كل الجرائم الإرهابية المنصوص عليها بهذا القانون بمعنى أن قرار إعتراض الإتصالات المتخذ من النيابة العمومية يصلح سببا لإثبات الجرائم التي أوجبته ويصبح وسيلة إثبات لجرائم إرهابية لا علاقة له بها. فإذا كانت حدود قرار إعتراض الإتصالات المتخذ من طرف وكيل الجمهورية معلومة ومعروفة عند بدايتها فلا حدود لها كوسيلة إثبات في منتهاها إلا قانون الإرهاب نفسه.

ويطرح السؤال حول ما إذا كشفت عملية إعتراض الإتصالات عن جرائم جزائية أخرى لا علاقة لها بالجرائم الإرهابية. بمعنى هل يصح تتبع المشتبه بهم على أساس جرائم حق عام تم إكتشاف أدلتها من خلال عملية إعتراض مأذون فيها من طرف وكيل الجمهورية.

إن الفصل 65 المشار إليه قد وضع حدودا واضحة في إستعمال أدلة الإثبات الجنائي التي يمكن إستخلاصها من عملية إعتراض الإتصالات إذ لا يمتد هذا الإستغلال وباي وجه كان الى جرائم الحق العام. لكن المرجح في الممارسة أن النيابة العمومية سوف تعتمد إنطلاقا من معرفتها بالمعطيات على استعمال آليات أخرى. بمعنى أنه لا يعول حاليا على النيابة العمومية في عدم إستعمال أدلة إثبات لجرائم إكتشفتها من خلال إعتراض الإتصالات. وتثير بقية فقرات الفصل 65 إشكالات متعلقة بالبحث عن الحقيقة، فقد ورد بالفقرة الثانية من الفصل المشار إليه ما يلي: تعدم الوسائل التي لا علاقة لها بالبحث بمجرد صدور حكم بات ساء قضى بالإدانة أو بالبراءة.

وتعدم في جميع الصور كل الوسائل سواء التي لها علاقة بالبحث أو التي ليست لها علاقة به وذلك في صورة صدور حكم بات بالبراءة.

2. الاختراق

أضيق حق اللجوء الآلية الاختراق بموجب القانون، الى سلطات النيابة العمومية، وهو سلطة إستثنائية، وخطيرة، وخاصة، يتم بمقتضاها إختراق التنظيمات الإرهابية، هو سلطة إستثنائية، لأن النظام الجزائي كان يصنف تلك العملية في إطار الجرائم المثارة التي يدفع المجرم دفعا إلى إرتكابها، من خلال المخبرين المندسين، كما أنه سلطة خطيرة، لأن النيابة العمومية ستضطر إلى إفتعال هوية مزيفة، ودفتر شيكات، ومضمون ولادة، وجواز سفر، لشخص وهمي، إعتبر الفصل 59 أنه لا يؤاخذ المخترق جزائيا عند قيامه دون سوء نية بالأعمال التي تطلبها عملية الإختراق. وخاصة لأن إنهائه، يخضع لشروط أخرى تجعل من هذه المهمة أحد أخطر الصلاحيات التي أضيفت إلى مؤسسة النيابة العمومية. 

ولقد عرف الفصل 57، الإختراق بأنه عملية تتم بواسطة عون أمن متخفي أو مخبر معتمد من قبل مأموري الضابطة العدلية يباشر الإختراق بمقتضى قرار كتابي معلل من وكيل الجمهورية لمدة أربعة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة، تم تعديل المدة في القانون الأساسي عدد 9 لسنة 2019، لتصبح ستة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة لنفس المدة. أما من حيث الآليات العملية، فقد إعتبر الفصل 58، أن القرار يجب أن يتضمن اللوحة البصمية، والبصمة الجينية، والهوية المستعارة للمخترق، فعلى غرار الإعتراض، مثلت عملية الإختراق توسيعا لدور النيابة العمومية في الدعوى الجزائية، بان دخل في مرحلة إستباق الجرائم، مستندا إلى مفهوم مطلق وغامض، هو ضرورة البحث. فهذه المهمة أي الإختراق تدخل في الأصل في إطار السياسة الجنائية لمكافحة الإرهاب، وليس في الأدوار التقنية الخاصة بوكالة الجمهورية. علما وأن رقابة وكيل الجمهورية على عملية الاختراق ليست مطلقة، إذ أعتبر الفصل 60 من نفس القانون أن: مأمور الضابطة العدلية المتعهد يتولى الإشراف على مراقبة سير عملية الإختراق ويرفع تقريرا، في الغرض إلى وكيل الجمهورية أو إلى قاض التحقيق كلما دعته الضرورة أو طلب منه ذلك وكذلك عند نهاية عملية الإختراق.

إن النصوص المنظمة لعملية الإختراق شابها غموض في مستويين إثنين على الأقل:

  • المستوى الأول: عدم مؤاخذة المخترق إلا عند ثبوت سوء نيته فمسألة إثبات سوء النية لا يمكن التوصل إليها بيسر وسهولة. كما أن عبارة الأعمال التي تطلبها عملية الإختراق جاءت مطلقة إذ كان يتعين ربطها في حدود التكليف وما تطلبه تلك الأعمال تحت رقابة جهة مشرفة تأذن وتجيز ما لم تكن متضمنة بنص التكليف.
  • المستوى الثاني: إضافة التقرير النهائي لملف القضية بإعتبار أن هذه العملية يمكن أن تكشف هوية المخترق وهو ما من شأنه أن يعطل الإختراق بإعتباره مسألة يمكن أن تعرض حياة القائم بها للخطر.

3. المراقبة السمعية والبصرية

يمكن تحديد مفهوم المراقبة السمعية والبصرية بأنها عملية يقوم بها أحد مأموري الضابطة العدلية بوضع عدة تقنية بالأغراض الشخصية لذي الشبهة أو بالأماكن أو عربات خاصة أو عمومية بغاية التقاط وتثبيت ونقل وتسجيل كلامهم وصورهم بصفة سرية وتحديد أماكنهم. ويتم ذلك بموجب قرار صادر عن وكيل الجمهورية لمدة شهرين قابلة للتمديد لمرة واحدة. 

يفهم مما تقدم أن النيابة العمومية صار بإمكانها أن تدخل إلى محلات السكنى خارج محلات التلبس ودون وجود قضية وهو موقف شديد الخطورة على الحريات الخاصة وعلى حرمة محلات السكنى الذي إستقر النظام الجزائي على الإعلاء من شأنها.

ويمكن الإشارة أيضا إلى أن النيابة العمومية لا تملك رقابة مطلقة وكاملة على عملية المراقبة السمعية والبصرية بإعتبار أن الجهة المكلفة بإنجازها هي التي تملك السلطة الأكبر في إختيار توقيت إحاطته كتابة بسير عملية الإختراق.

وعموما فقد أطلق قانون الإرهاب الجديد يد النيابة العمومية بأن مكنها بسلطات إضافية حتى قبل إنطلاق عملية البحث والتحقيق فلقد حررها هذا القانون من النظام الإجرائي العام الذي سبق الإشارة إلى أنه يعرف بالنظام المخططات وإحالها بإختصاصاتها الجديدة إلى النظام الإستقرائي. ويتضح هذا المنحى الإستقرائي أكثر في تقييد يد حاكم التحقيق.

الفقرة الثانية: تقييد يد حاكم التحقيق

لم يكن متوقعا ضمن مسار التشدد والعنف والإرهاب الذي صاحب مخاض الولادة العسيرة للقانون الأساسي عدد 26 أن يتم في خضم الدعوة الى التشدد في العقوبات والإجراءات تقييد يد حاكم التحقيق المؤسسة المؤتمنة بإمتياز (على الأقل من الناحية النظرية) على مسار كشف الحقيقة ويتجلى هذا التقييد في الآجال التي صار على حاكم التحقيق إحترامها عند الإذن بإعتراض الإتصالات أو الإختراق أو المراقبة السمعية البصرية (أ) لكن هذا التقييد تجلى أيضا من خلال تجزئة الوثائق والإنتقاص منها ومنعها عن الملف الأصلي للقضية (ب).

أ. تقييد سلطة حاكم التحقيق من حيث الآجال

لم يكن حاكم التحقيق في مجلة الإجراءات الجزائية ولا في قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2003 مقيدا في أعماله إلا بأجلين آجال الإحتفاظ المنصوص عليها بالفقرة الثالثة من الفصل 57 من م ا.ج، والآجال المنصوص عليها بالفصل 85 من نفس المجلة. إلا أن القانون الأساسي عدد 26 قد قيده بآجال خاصة عند إتخاذه لقرار في إعتراض الإتصالات. إذ صار ملزما بداية منذ دخول هذا القانون حيز التنفيذ بأن يحترم الآجل الأقصى المحدد لهذا النوع من الإجراءات، بستة أشهر قابلة للتمديد لنفس المدة مرة واحدة، وهو نفس الآجل الملزم به عند إتخاذه لقرار معلل في الإختراق. أما في المراقبة السمعية البصرية فهو مقيد بآجل شهرين قابلة للتمديد مرة واحدة.

قبل صدور هذا القانون كان حاكم التحقيق بإمكانه بالقضايا الإرهابية أن يتخذ قرارا بإعتراض الإتصالات خلال كامل تعهده بالملف، أي بداية من قرار فتح البحث إلى قرار ختمه، بمعنى أن طرق التحري المنصوص عليها بقانون الإرهاب كان بإستطاعة حاكم التحقيق مباشرتها بموجب قرارات معللة يتخذها بمجرد أن يعهد إليه ملف القضية مستندا في ذلك على مقتضيات الفصل 50 من م.ا.ج ونصه: على حاكم التحقيق أن يسعى إلى الكشف عن الحقيقة بدون توان”. فهو في هذا السعي حر في إتخاذ جميع الإجراءات التي يراها ملائمة. وقد إستقر عمل حكام التحقيق على إتخاذ قرارات معللة في إعتراض الإتصالات في عدد غير محدود من القضايا. 

أن يسعى القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2016، المنقح بالقانون عدد 9 لسنة 2019، لتحديد سقف الإجراءات مساواة بين مؤسستي النيابة العمومية وحاكم التحقيق، فهذا إنحياز في إتجاه المؤسسة الأولى بتوسيع صلاحياتها، وضد المؤسسة الثانية، بالتضييق في إختصاصاتها، أما مستوى طبيعة النظام الإجرائي، فهو إنحياز إلى الطبيعة الإستقرائية للإجراءات على حساب النظام الإتهامي.

ب. تجزئة القضية المعروضة على حاكم التحقيق

إن المتمعن في النصوص المتعلقة بطرق التحري الخاصة، يلاحظ دون عناء، أن سلطة حاكم التحقيق على كامل الملف أصبحت منقوصة، فلقد إقتضت الفقرة الثانية من الفصل 55 انه وبعد أن يأذن قاض التحقيق بإجراء إعتراض على الإتصالات، تضمن جميع المكاتبات والمراسلات والتقارير المتعلقة بعملية الإعتراض بملف مستقل خاص، يقع إضافته في الملف الأصلي، قبل إصدار قرار في ختم التحقيق. فملف القضية يجزأ إلى ملفين، ملف القضية الأصلية، ويمكن أطراف الدعوى العمومية من الإطلاع عليه، وملف مستقل، أو وبدقة أكثر ملف سري، ولا يمكن لأطراف الدعوى العمومية من الإطلاع عليه، ولا علم لهم بوجوده أصلا، وبالتالي فإن هذه العملية تفقد أعمال حاكم التحقيق أحد المبادئ الرئيسية التي تأسست عليها، وهي مبدأ المواجهة، كما تخرق حق الدفاع، وتمس بشكل فادح بحقوق المتهم الشرعية. فإذا كان قانون عدد 75 لسنة 2003 قد أحدث لأول مرة مؤسسة الشهادة التي تظل هوية صاحبها سرية، بموجب الفصل 51 منه، والتي أعتبرت في تلك الفترة، خرقا صارخا لمبدأ المواجهة، وإهدار لحقوق المتهم، ومنها الحق القدح في الشهادة، فإن ما آل إليه الأمر الآن، يتجاوز من حيث خطورته كل حدود. 

ولقد أسست الفقرة الأخيرة من الفصل 56 من القانون الأساسي عدد 26 لحالة هجينة من الحفظ، إذ أعتبرت أنه: “إذا لم تترتب عن المعطيات المجمعة من الإعتراض تتبعات جزائية، فإنها تتمتع بمقتضيات الحماية وفقا للتشريع الجاري بها العمل في مجال حماية المعطيات الشخصية”. فالحالة الشاذة من خلال هذه الفقرة تتمثل في أن القضية التي تعهد بها قاض التحقيق وإتخذ فيها قرارا معللا في إعتراض الإتصالات يمكن في آن واحد أن يوجه اتهام دون أن يستند على المعطيات المجمعة ففي هذه الحالة يتم حفظ المعطيات المجمعة وتتواصل إجراءات الإتهام بدون جزء أساسي من الملف. كما أن حاكم التحقيق سيجد نفسه أمام معضلة توجيه هذه الأوراق والمعطيات المجمعة فلا يصح له إبقاؤها في مكتبه ولا يصح توجيهها الى النيابة العمومية إذ أن علاقة حاكم التحقيق بهذه الأخيرة مقيدة بنصوص إجرائية صارمة كما أن خزينة المحكمة لا يمكن أن يضمن بها أو يحفظ إلا القضايا والأحكام والقرارات. كما أن الفقرة الأخيرة من الفصل 60 تضمنت حالة شبيهة بما سبق عرضه. فعند التعرض لمسألة الإختراق إعتبر الفصل 60 أن مأمور الضابطة العدلية المتعهد بالإشراف على مراقبة سير عملية الاختراق يرفع تقاريرا في الغرض الى قاض التحقيق كلما دعت الضرورة أو طلب منه ذلك وكذلك عند نهاية عملية الإختراق، ولا يضمن بملف القضية إلا التقرير النهائي، فالإشكال متمثل في المكان الذي سيختاره حاكم التحقيق لإيداع بقية الوثائق ومالها وكيفية التعامل معها قضائيا، فإذا أخفى حاكم التحقيق تطبيقا لنص تشريعي جملة الوثائق والمعطيات المتعلقة بإثبات الإدانة كيف يفترض أن يتمكن المتهم من الدفاع عن نفسه.

الخاتمة

إذا كان ظهور القانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرخ في 10/12/2003، قد تم فرضه كنص تشريعي من الخارج، ولذلك حمل إسم دعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب، وجاء في أغلب فصوله متشددا بالصيغة التي وردت بقانون الإرهاب الأمريكي بعد إحداث سبتمبر 2001 بما عرف بــ Patriot Act، فإن القانون الأساسي عدد26، قد عرف ولادة عسيرة من خلال الضغط الشعبي إثر العمليات الإرهابية العنيفة التي جدت بعد الثورة، في الحالتين، لم يكن قانون الإرهاب منتوجا وطنيا ممثلا بحالة من الحوار المجتمعي، إذ جاء متشددا في مرحلة أولى تحت ضغط خارجي ثم أضيف لحالة التشدد تلك، تشددا آخر تحت ضغط داخلي.

غير أن هذا التشدد يجد أساسا له ضمن موجة القوانين المتشددة في العالم فلقد أقر التشريع الفرنسي في نوفمبر 2014 نصا قانونيا يحرم الفرنسيين الذين تحوم حولهم شبهة إرتباطهم بالإرهاب، من مغادرة التراب الفرنسي ليس فقط بسحب جواز السفر وإنما أيضا بسحب بطاقة التعريف الوطنية لمدة سنتين مع تمكينه من وصل عملية السحب، كما صدرت عدة قوانين أخرى جاءت كرد فعل على العمليات الإرهابية التي طالت أغلب بلدان العالم.

وعموما يمكن إعتبار أن هذا النص التشريعي لم ينشأ من خلال توازنات مجتمعية، بقدر ما كان نتيجة ضغط شعبي متنامي، ولذلك، فإن إعادة التفكير فيه من جديد، على ضوء ما أنتجته التجربة، تبدو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مهمة عاجلة وأكيدة.


[1] سميحة الشريف، الأصول العامة المنظمة للدعوى العمومية، في ملتقى جهوي بدائرة محكمة الإستئناف بالكاف بعنوان الدعوى العمومية، 2010، ص 38.

[2] -مبادئ وإجراءات الدعوى العمومية، رسالة تخرج من المعهد الأعلى للقضاء، ص 20، ورد بدراسة سميحة الشريف، مرجع سبق ذكره.

 –[3]محمد الصالح الزيدي، إقامة الدعوى العمومية: من الإثارة إلى الممارسة، ورد في الدعوى العمومية، ص57.

 –[4]حاتم الأحمر، قانون الإرهاب بين النص الخاص والنص العام، في أعمال الملتقى الدولي، مائوية المجلة الجزائية، الماضي والحاضر والمستقبل، ص909.

 –[5]عصام الخميري، الدعوى العمومية بين النيابة والتحقيق، ص335.

 –[6]نزار كرمي، الجريمة الإرهابية، منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص، 2016، ص81.

 –[7]كمال سعد، الإثبات في المادة الجزائية بواسطة الوسائل الصوتية، محاضرة ختم التمرين في مهنة المحاماة، 2010-2011، ص7.

 –[8]محكمة النقض المصرية، 11 نوفمبر 1989، مجموعة أحكام النقض، رقم 173، ص 943.

[9] -محكمة النقض المصرية، نقض 25 نوفمبر 1973، مجموعة احكام النض، رقم 219، ص 1053.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق