الإرهاب والتطرّف العنيف: التباس المفهوم وشبهة التّوظيف

ا

المولدي قسومي
باحث في المركز التونسي
للدراسات والبحوث حول الإرهاب
أستاذ جامعي في علم الاجتماع

هل أنّ الإرهاب والتّطرّف العنيف معنيان لمفهوم واحد أم أنّهما اصطلاحان للاستدلال على ظاهرة واحدة؟ وهل يمكن اعتبار أنّ التطرّف العنيف إطارا مفهوميّا جديدا للإرهاب؟ أم أنّه يهيّئنا لأن نفهم الإرهاب حسب أهداف محدّدة مسبقا تُخضع صفة الإرهاب إلى قياس درجة العنف في التطرّف بقدر ما يقيس درجة التّطرف في العنف؟

قد نهتدي إلى الإجابة من حيث يمكن اعتبار الإرهاب مفهوما مرجعيّا نقيس به معنى التطرّف العنيف. غير أنّه لا يمكن الوقوف على تعريف وحيد ونهائي للإرهاب رغم أهميّة ذلك وضرورته، وحتى إن أمكن الإستجابة إلى تلك الضّرورة فهي استجابة غير مجدية، لأنّ تعريف الإرهاب لا يمكن أن يحدّد آليّاته وأشكاله وأساليبه تحديدا نهائيّا، لذلك يمكن أن نتطرّق إلى تعريفه انطلاقا من تحديد سمات الفعل الإرهابي عموما: 

إنّه عمل عنيف يعرّض الأرواح والممتلكات للخطر أو يهدّد بتعريضها لذلك وقد يكون موجّها إلى أفراد أو مجموعات أو مجتمع كامل عن طريق استهداف مؤسّساته أو مصالح الدّولة وأجهزتها التي يعيش في إطارها. ويقوم به أشخاص منفردين أو جماعات مرتبطة بتنظيمات معيّنة سواء كانت محليّة أو إقليميّة أو مدعومة من طرف دولة ما. ومن أهمّ السّمات العامّة للإرهاب أنّه يسعى إلى تحقيق أهداف سياسيّة. لذلك يمكن أن يُعتبر إرهابا كلّ عمل إجرامي مقترف عن طريق الإستخدام العمدي والمنّظّم لوسائل من شأنها التّرهيب أو إثارة الرّعب أو الفزع الشديد بقصد تحقيق بعض الأهداف، وهو عبارة عن أعمال من طبيعتها أن تثير لدى شخص ما الإحساس بتهديد أيّ كان، وتتمخّض عن الإحساس بالخوف بأيّة صورة كانت، وهو منهج لتطويع الجماهير وشلّ حركتها بواسطة الإكراه النّفسي والتّرهيب الإجرامي لغرض التّحكّم والسّيطرة المطلقة.

وفي منحى آخر قد يكون من المفيد أن نميّز بين العدوانيّة والعنف، دون أن نفصل بينهما، لكي نميّز بين التّطرّف والإرهاب، باعتبار أنّ المصطلح الأوّل في كلّ نصاب من النّصابين (يعني العدوانيّة والتّطرّف) يعكس حالة الوعي والذّهنيّة المرجعيّة للمصطلح الثّاني وما ينبثق عنه من فعل على الميدان في كلا النّصابين أيضا (أي العنف والإرهاب). ومبرّر التّمييز بين هذه المصطلحات من حيث المعنى يكمن في أنّها عناصر أربعة تعبّر عن دلالات أربع تجسّدها على أرض الواقع أعمال العنف والإرهاب وتترجمها على المستوى الذّهني سمات العدوانيّة والتّطرّف. ولكن عدم الفصل بينها يبرّره كونها جميعها في تلازم بنيوي وفي تكامل وظيفي وفي ترابط وقائعي، إذ تنتهي هذه الإصطلاحات بمضامينها المنعكسة في نمط من السّلوك إلى إنتاج فعل اجتماعي وسياسي – في صيغته الفرديّة أو الجماعيّة – من نفس المعجم ومن نفس الأصول الفكريّة والإيديولوجيّة المتّسمة بعدم قبول الآخر، وحتّى العمل على إلغائه. فإذا كان الإرهاب شكلا من أشكال ممارسة العنف في أقصى تجلّياته، سواء كان مادّيا أو رمزيّا، فإنّ التّطرّف هو تجسيد للحالة العدوانيّة في أقصى مستوياتها وأعلى درجات تجسيدها، وإذا كانت العدوانيّة هي الإطار المرجعي على المستوى الذّهني والسّلوكي الذي يدفع الفرد أو المجموعة إلى ممارسة العنف فإنّ التّطرّف هو الإطار المرجعي بنفس القدر والوظيفة نفسها بالنّسبة إلى من يصل بممارسته العنف إلى مستوى الإرهاب.

وقد يكون من المفيد أيضا التّمييز بين التطرّف والإرهاب. فالتّطرّف في البدء ليس حالة وقائعيّة مجسّدة ميدانيّا بل هو حالة ذهنيّة وموقف ما تجاه واقع ما. وهو موقف يتّسم بالمغالاة في إدارة الإختلاف السّائد في العلاقات الإجتماعيّة، وهو أيضا الخيار الأكثر تشدّدا في عدم قبول الآخر المختلف والأكثر تصلّبا في رفض مبدأ التّنوّع والتّعدّد. بهذا المعنى فهو بمثابة العدوانيّة في أقصى تجلّياتها، وبالمعنى نفسه أيضا يكون الإطار المرجعي للإرهاب الذي يمثل بدوره ترجمة حسّية وعدوانيّة للموقف المتطرّف. ومن هنا نجد أنّ الأركان الأربعة مترابطة بنيويّا ومتكاملة وظيفيّا. فالتطرّف هو الصّيغة العدوانيّة القصوى لرفض الآخر وعدم قبوله، والعنف هو آليّته الحسّية والميدانيّة الأوّليّة لإقصاء الآخر، والإرهاب هو الحالة القصوى التي تؤلّف بين العدوانيّة والتّطرّف والعنف وتعتبر الحصيلة العامّة لهذا المثلّث.

غير أنّه من الضّروري الإشارة إلى أنّ الإرهاب أحادي الاتّجاه لأنّه قائم على الأذيّة المطلقة التي يسبّبها طرف ما لطرف آخر أو التّطرّف المطلق لموقف في مواجهة الآخر، وبالتّالي تقوم العمليّة الإرهابيّة على وجود ضحيّة وإرهابي. فلا يمكن أن يكون الإرهاب متبادلا لأنّه عندئذ يعني وجود تطرّف متبادل وبالتّالي ستكون حالة متكافئة بين طرفين، كلّ واحد منهما يدرك موقفه من الآخر، وعندها نكون في حالة فهم وتفسير لأسباب الحرب أو العنف المتبادل.

حينئذ يمكن أن نعتبر أنّ ثنائيّة العنف والإرهاب توجد في وعاء مضاعف وثنائيّة ذهنيّة مشتركة. فهما بمثابة حلقتين مترابطتين تمثّل إحداهما امتدادا للأخرى أو أصلا لها، وهي ثنائيّة العدوانيّة والتّطرّف. فإذا كانت العدوانيّة حالة سلوكيّة فإنّ التّطرّف هو مظهرها الأكثر تصلّبا، وإذا كان العنف تعبيرتها الحسّية وترجمتها على أرض الواقع، فإنّ الإرهاب هو مظهرها الأقصى والأكثر حدّة على المستوى الميداني. ولذا فإنّ كلّ تلك التّمظهرات تتشكّل وتنمو داخل فضاء ذهني يتّسم بالعدوانيّة والتّطرّف. لأنّ العدوانيّة التي تنتج العنف، وهي التي تجعله إرهابا إذا ما أخذا معا (العدوانيّة والعنف) طابعا متطرّفا. لذلك فإنّ “العنف المتطرّف” هو الصيغة الأقرب إلى تحديد معنى الإرهاب. فلماذا يقع استعمال التّركيبة المعاكسة ويتمّ اعتماد اصطلاح “التطرّف العنيف” كصيغة دلاليّة بديلة لمعنى الإرهاب أو كصيغة تفسيريّة له؟ 

لقد خضع الاستبدال المفاهيمي لتوجّهات المنظّمات والهيئات الدّوليّة والإقليميّة في تعاملها مع الظّاهرة الإرهابيّة، وقد حفّ بتلك التّوجّهات رهانات سياسيّة وأمنيّة ومصالح دوليّة وإقليميّة. ولكن المعلن عنه يفيد بأنّ هناك عاملان أساسيّان دفعا إلى إحلال مفهوم التّطرّف العنيف محلّ مفهوم الإرهاب: العامل الأوّل متّصل بأهميّة تشريك هيئات المجتمع المدني، والعامل الثّاني مرتبط بالتّجاوزات التي حدثت في مجال حقوق الإنسان في مكافحة الظّاهرة بصفتها إرهابا، وبالإعتماد على قانون الإرهاب. وبالتّالي كانت مسألة تصنيف الأفراد والجماعات بصفتهم إرهابيّين وما أثارته من قلق في الأوساط الحقوقيّة الدّوليّة من أبرز دوافع هذه المراجعة. وقد تمّ اعتماد مفهوم التطرّف العنيف وهو بدوره يعاني من عدم وضوح في المعنى وعدم تحديد نهائي للعناصر والشّروط التّصنيفيّة.

بالنّسبة إلى تونس والبلدان الأخرى في محيطها الإقليمي يعتبر إعلان برشلونة (30 جانفي 2017) الوثيقة المرجعيّة لهذا الإستبدال المفاهيمي، وهو يؤكّد على أهميّة العاملين المشار إليهما في ذلك، إذ يعتبر أنّ “التّطبيق المبالغ فيه لتدابير مكافحة الإرهاب أنجم أثرا ضارّا وعميقا على التّمتّع بحقوق الإنسان. إنّ تجريم أو منع السّلوك أو المعاقبة عليه دون تعريف واضح لا يتّفق مع مبدأ الشرعيّة، والذي هو مبدأ أساسي من مبادئ سيادة القانون. وقد تضرّ مبادرات مكافحة العنف بحقوق الإنسان والحرّيات الأساسيّة للجماعات المستهدفة، وتقوّض عمل المدافعين عن حقوق الإنسان واستقلال المجتمع المدني. تصنّف العديد من الحكومات في المنطقة بشكل روتيني المعارضين السّياسيّين والصّحفيّين والمدافعين عن حقوق الإنسان على أنّهم متطرّفون أو إرهابيّون”.

ولئن اعتبر إعلان برشلونة أنّ مصطلح التّطرّف هو مرادف للعقائديّة ذات التّطلّعات السّياسيّة والإجتماعيّة والدّينيّة الرّافضة للوضع الرّاهن، ولئن اعتبر أيضا أنّ التّطرّف لا يحمل بالضّرورة دلالة سلبيّة إذ يمكن أن يعبّر عن التّطرف السّلمي، فإنّه (إعلان برشلونة) يفهم “التّطرّف العنيف على أنّه الإيديولوجيّات التي تتطلّع إلى تحقيق سلطة سياسيّة تختار استخدام الوسائل العنيفة على الإقناع. وتستند الإيديولوجيات المتطرّفة العنيفة إلى قيم استبداديّة وتعصّبيّة وغير متسامحة وبطريركية ومناهضة للدّيمقراطيّة ومناهضة للتّعدّديّة. ويمكن أن تعتمد الإيديولوجيّات المتطرّفة العنيفة من قبل أفراد أو جماعات أو شركات أو دول”.

يتعلّق إعلان برشلونة بخطّة عمل المجتمع المدني الأورومتوسّطي للوقاية من جميع أشكال التطرّف العنيف. وقد شارك في صياغة الخطّة وصادق عليها وشارك في صياغة الإعلان 320 ممثلا عن 172 منظّمة من منظّمات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية من 22 دولة أورومتوسّطيّة. وهو يندرج في سياق تطبيق خطّة العمل التي تحمل العنوان نفسه، والتي تقدّم بها الأمين العام للأمم المتّحدة إلى الجمعيّة العامّة في دورتها السّبعين[1].

ورد في مقدّمة تقرير الأمين العام أنّ خطّة العمل تتناول التطرّف العنيف في الحالات التي يفضي فيها إلى الإرهاب، ويعالجها. وهذا إقرار بأنّ التّطرّف العنيف شيء آخر غير الإرهاب، بل هو ينحصر في حدود إمكانيّة تحوّله إلى إرهاب. كما ورد في التّقرير أنّه “مع ظهور جيل جديد من الجماعات، هناك توافق دولي متزايد على أنّ تدابير مكافحة الإرهاب لم تكن كافية للحيلولة دون انتشار التطرّف العنيف. والواقع أنّ ثمّة فئة أوسع من مظاهر التطرّف العنيف، وقد يؤدّي الخلط بين هذين المصطلحين إلى تبرير الإفراط في تدبير مكافحة الإرهاب على نطاق واسع، لتشمل أشكال سلوك لا ينبغي أن ينطبق عليها وصف الأعمال الإرهابيّة. وهنا نجد أنّ الخطّة التي أصدرتها الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة قد ألغت القرار 1566 الذي صادق عليه مجلس الأمن الأممي خلال اجتماعه عدد 5053 المنعقد يوم 08 أكتوبر 2004، والذي يستعمل بشكل صريح مصطلح الإرهاب دون سواه[2]

وقبل ذلك كان مجلس الأمن قد أبرز في قراره 2178 (سنة 2013) الصّلة بين التطرّف العنيف والإرهاب، وشدّد على أهميّة تماشي التّدابير المتّخذة مع القواعد الدّوليّة، وسلّم بضرورة المنع، ذلك أنّ “التطرّف العنيف الذي يمكن أن يفضي إلى الإرهاب”يتطلّب بذل جهود جماعيّة، بما في ذلك منع نشر الفكر المتطرّف بين الأفراد وتجنيدهم وتعبئتهم لينضمّوا إلى الجماعات الإرهابيّة والمقاتلين الإرهابيّين الأجانب. 

وتشير خطّة العمل الخاصّة بالأمم المتّحدة إلى أنّ التّطرّف العنيف هو ظاهرة متنوّعة بدون أي تعريف واضح وليس محصورا بأيّ إقليم أو منطقة معيّنة أو معتقد معيّن، وقد ترك تعريف التطرّف العنيف مفتوحا بحيث يتمّ تكييفه وفق السّياق. وهو ما قام به فريق الأمم المتّحدة في تونس عندما صاغ تعريفا خاصّا بالسّياق التّونسي مضمونه “إنّ التطرّف العنيف هو نشاط الأفراد والمجموعات التي تناصر أو تبرّر العنف لأسباب اقتصاديّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة وترفض القيم الدّيمقراطيّة وسيادة القانون وحقوق الإنسان من خلال نشر رسالة تتضمّن عدم التّسامح الدّيني أو الثّقافي أو الاجتماعي”.

 لقد خضعت تونس إلى هذا المسار المفروض دوليّا وامتثلت إلى حتميّة تقديم برنامج منسجم مع التّوجه العام للمنتظم الأممي على مستوى الفهم والتّعريف، وكذلك على مستوى التّشريعات والإجراءات، فأحدثت اللّجنة الوطنيّة لمكافحة الإرهاب[3] التي وضعت”الاستراتيجية الوطنيّة لمكافحة الإرهاب” في جويلية 2016. ورغم استجابتها السّريعة للضّغوطات فإنّ ذلك لم يعف تونس من إدراجها ضمن القائمة السّوداء للتشريعات التي تشكو نقائص استراتيجيّة في مجال مقاومة غسيل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب. وفي إطار سعي الحكومة التّونسيّة لتدارك هذا النقص التّشريعي من أجل تفادي هذا التّصنيف الذي من شأنه أن يزيد في تعميق أزمتها الاقتصاديّة سقطت في التّضخّم التّشريعي[4]. وقد جاءت أغلب النّصوص التّشريعيّة في إطار مصادقة تونس على الاتّفاقيّات الدّوليّة المتعلّقة بمكافحة التطرّف العنيف والانخراط فيها، مثلما كان الأمر بالنّسبة إلى القانون عدد 75 لسنة 2003 الصّادر بتاريخ 10 ديسمبر 2003 المتعلّق بالمجهود الدّولي الرّامي إلى مكافحة كلّ مظاهر الإرهاب والتّصدّي لمصادر تمويله، ومنع غسيل الأموال المتأتّي من الجريمة.

لقد بُني إعلان برشلونة على مراكمة مهمّة من المساهمات التي مهّدت بها هيئات ومنظّمات دوليّة في هذا الاتّجاه، وتعزّز أيضا بمبادرات تكميليّة في الإطار الأوروبي والمتوسّطي. فقد سبق وأن أصدرت منظّمة الأمن والتّعاون في أوروبا، في فيفري 2014دليل الوقاية من الإرهاب ومكافحة التطرّف العنيف والرّاديكاليّة المؤدّية إليه. وبعد أن تولّى المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، (نيويورك 21 سبتمبر 2016) تقييم سياسات الحكومات في مكافحة الإرهاب والتّطرّف العنيف أصدر توصيات زيوريخ- لندن (2017) بالربط بين الإرهاب والتطرّف العنيف في سياسات الحكومات لتصبح “سياسات الحكومة في منع التّطرّف العنيف ومكافحة الإرهاب”. وأصدر مكتب الاتّصال الأوروبي لبناء السّلام (بروكسل 23 أكتوبر 2017) مذكّرة تفاهم حول مكافحة التّطرّف العنيف صادقت عليها شبكة المجتمع المدني ذات العلاقة بالأبعاد الدّاخليّة والخارجيّة لسياسة الاتّحاد الأوروبي، وقد أشرف على صياغة هذه المذكّرة مسؤولون من المفوّضيّة الأوروبيّة والدّائرة الأوروبيّة للشؤون الخارجيّة. كما أصدرت اللّجنة الدّوليّة المشتركة للصّليب الأحمر وللهلال الأحمر (جنيف جوان 2017)، دليلا توجيهيّا لمكافحة التّطرّف العنيف.

لا يُفهم التطرّف العنيف، فقط، على أنّه السّياق الوقائعي الذي ينبثق منه الإرهاب بل يفهم على أنّه الإطار المفاهيمي – قانونيّا –الذي يلغي معنى الإرهاب ويحوّله إلى سلوك عنيف بالمعنى الذي يؤيّده التّداول الاصطلاحي وبالمعنى الذي يقرّه القانون أيضا. وبناء على هذا الإحلال اللّغوي والدّلالي والقانوني لمفهوم التطرّف العنيف محلّ مفهوم الإرهاب، حصلت هجرة جماعيّة وشاملة من فضاء الحُمولة الدّلاليّة للإرهاب والإقامة في فضاء الحُمولة الدّلاليّة للتطرّف العنيف يؤكّدها جمهور الباحثين الذين يقدّمون الدّراسات الاستشارية حول الموضوع. فأغلب الدّراسات ومن ورائها الخبراء والمنظّمات والهيئات الدّوليّة وفعاليّات المجتمع المدني انخرطت بشكل جماهيري في هذه الهجرة، لتبقى عندهم مسألة تقدير درجة العنف الموجود في التطرّف هو الذي يحدّد ما إذا كان إرهابا أم لا. وهنا تكمن مشكلة تقدير الفعل العنيف ما إذا كان فعلا إرهابيا أو غير إرهابي.

الإستثناء الوحيد الذي لا يعتمد هذا الاستبدال المفاهيمي هو النّاتو (منظّمة حلف شمال الأطلسي)، فقد أصدر في ماي 2020 المنهج المرجعي لمكافحة الإرهاب: يؤكّد فيها على أنّه “من المهم على الصّعيد النّظري التّمييز بين الإرهاب والإرهابيّين، إذ أنّ سمات الإرهابيّين تتغيّر وفقا للظّروف، بينما تبقى سمات الإرهاب ثابتة، ومنها مثلا أهميّة دور الإيديولوجيا في الإرهاب. وعلى الصّعيد العملي، هناك تحدّيات أخرى ترغم الدّول باستمرار على تحديد درجة المخاطر التي تستطيع التّعايش معها، دون إهمال التّأثيرات المحتملة لهجوم ناجح”.


[1]– الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، الدّورة السّبعون، استراتيجيّة الأمم المتّحدة العالميّة لمكافحة الإرهاب، خطّة عمل لمنع التطرّف العنيف، تقرير الأمين العام 24، A/70/674 ديسمبر 2015.

[2] -يعتمد مجلس الأمن في هذا القرار ثلاثة معايير تراكمية لتحديد خصائص الإرهاب: (أ) القصد، (ب) الغاية، (ج) السّلوك الخصوص، ويشمل ما يلي: 

  • الأعمال الإجراميّة ومنها الأعمال الموجّهة ضدّ المدنيّين بنيّة القتل أو الأضرار الجسديّة الجسيمة، أو عمليّات اختطاف رهائن. 
  • بقطع النّظر عمّا إذا كان مردّها إلى اعتبارات سياسيّة أو فلسفيّة أو إيديولوجيّة أو جنسيّة أو عرقيّة أو دينيّة أو لسبب مثيل بهدف إحداث حالة من الهلع بين النّاس أو في مجموعة معيّنة من النّاس أو من الأشخاص أو بهدف تهديد السّكان أو إكراه حكومة أو منظّمة دوليّة للقيام بعمل ما أو الامتناع عن القيام به. 
  • ما يمثّل جناية بمقتضى التّعريف المحدّد بالمعاهدات والبروتوكولات الدّوليّة المتعلّقة بالإرهاب. 

[3]– تبعا للأمر الحكومي عدد 1777- 2015 الصّادر في 25 نوفمبر 2015.

[4] – تجاوز عدد النّصوص القانونيّة المتعلّقة بمكافحة التطرّف العنيف سبعين نصّا بين قوانين أساسيّة، وقوانين، ومشاريع قوانين، وأوامر رئاسيّة، ومراسيم، وأوامر، وقرارات وزاريّة، وقرارات ومناشير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق